Zamen | زامن
هل من الممكن أن يصاب الناس بالهلوسة عن طريق الصور الوامضة ؟
كيف يمكننا قياس العقل؟ عندما تسأل أحدهم بماذا يفكر فإن ما سيجيبك به ليس بالضرورة الحقيقة ، لكن هذا لا يعني أنه يكذب، وإنما هناك مؤثرات شخصية وبيئية و اجتماعية قد تغير ما سيخبرك به. فلو ارتديتُ مثلاً معطفا أبيض ، سترة ، أو قميصاً وطرحت عليك عدة أسئلة فإن ما ارتديت سيغير من أقوالك. تم أثبات ذلك في تجربة شهيرة خلال ١٩٦٠ والذي أظهر قوة السلطة المتصورة للسيطرة على سلوكيات الآخرين , فالناس يميلون للرغبة بأن يكونوا محبوبين، أو يعطوا انطباعاً معيناً، وتتم عادة الإشارة إلى هذا بمصطلح إدارة الانطباع والذي يعد واحداً من العقبات التي يصعب التغلب عليها في مجال البحث العلمي. حقق علماء الأعصاب تقدماً ملحوظاً في قياس تشريح الدماغ ومناطقه على مختلف المستويات ، لكنهم لا يزالون لم يحققوا الكثير في نطاق قياس العقل والذي يتعلق بما يفكر به الناس ويجربونه و يشعرون به. فبالرغم من أن قياس العقل أمر بالغ الصعوبة إلا أنه لابد منه لدوره في تطوير علاجات جديدة للاضطرابات النفسية و العصبية . إن الهلوسة والصور العقلية الخارجة عن السيطرة لهي مثال جيد لأعراض الصحة العقلية التي يصعب قياسها في العلوم والطب. فبدراسة تم نشرها أظهرت وسيلة جديدة لإنتاج وقياس الهلوسة البصرية لأي شخص وفي أي وقت. هذه النتائج تفتح الباب لسبل جديدة للبحث فقد أصبح بإمكاننا الآن دراسة الهلوسة البصرية بالاستعانة بأي شخص في المختبر. ما هي الهلوسة ؟ ترتبط الهلوسة عادة بمرض الفصام ومرض باركينسون، ولكن قد يكون الأشخاص الأصحاء أيضاً عرضة لها في حال تناولهم للمخدرات أو الحرمان من النوم أو المعاناة من الصداع النصفي . عموماً، تعرف الهلاوس بكونها تجربة للإدراك اللاإرادي في ظل غياب الحافز المباشر الكاف، وبتعبير أبسط هي سماع أو رؤية شيء غير موجود في الحقيقة ، ويمكن أن تتراوح الهلوسة ما بين الأشكال الهندسية البسيطة كالنقط والخطوط إلى رؤية الحيوانات أو الأشخاص أو الحشرات. ويعتقد بأن هذه التجارب اللاإرادية تحدث عندما تقوم تغيّرات تلقائية في الدماغ بخطف الرؤية والانتباه بشكل مؤقت، لكن المسببات الدقيقة والآليات الكامنة لم تُفهم بشكلٍ كامل، والطريقة الأفضل لفهمها هي استحداث هذه الهلوسة حتى يتم ملاحظتها في المختبر . نحن نعلم منذ ٢٠٠ عام بأن الضوء الوامض في ترددات معينة بإمكانه أن يسبب الهلوسة لأي شخص تقريباً، لكن التقلب والتعقيد واختلاف الطبيعة الشخصية للناس تجعل من الصعب قياسها علمياً دون الاعتماد إلى الأوصاف اللفظية ، فتغيّر المحتوى بما فيه من الألوان والأشكال المختلفة يزيد ذلك تعقيداً. كان التقدم في بحثنا ببساطة يعتمد على خفض الهلوسة بالأضواء الوامضة إلى النقط الرمادية، ولتنفيذ هذا بدلا من استخدام الإشارات الضوئية العشوائية أو فتح إغلاق شاشة التلفاز أو الحاسب الآلي ، قمنا باستخدام شكل حلقة دونات وامضة، والمدهش أننا لم نعد نرى أي اختلاف في الألوان والأشكال إنما نقط رمادية فحسب. وباعتماد تثبيت الهلوسة بهذه الطريقة فيمكن القول بأننا نستطيع البدء في التحقق بشكل موضوعي من الآليات الكامنة وراءها. إنتاج الهلاوس كان المتطوعين لدراستنا البحثية طلاباً في الجامعة ليس لديهم أي تاريخ مع الاضطرابات النفسية أو الصداع النصفي. قاموا بتركيز نظرهم على صورة لحلقة بيضاء واضحة على خلفية سوداء تومض بمعدل ١٠ مرات في الثانية، وجميعهم قالوا بأنهم رؤوا نقط رمادية باهته تظهر في الحلقة وتدور حولها في اتجاه واحد في أول مره ثم أصبحت في الاتجاه الآخر . و لقياس الهلاوس، وضعنا حلقة أخرى معلمة بنقط رمادية ثابتة (حقيقية) داخل الحلقة الأولى و قمنا بإعادة العملية مرة أخرى. مكنت هذه الخطوة الناس من رؤية الكتل المحسوسة والمتهلوسة في آنٍ واحد و إجراء مقارنة بسيطة. عرضنا مجموعة من النقط بقوى حسية مختلفة، و ذكر المشاركون فيما إذا كانت أفتح أو أغمق من النقط الحقيقية، وساعدتنا إجاباتهم في حساب نقطة التكافؤ في القوة أو التباين بين الإدراك والهلوسة . بماذا قمنا أيضاً؟ استخدمنا تقنيات العلم السلوكي لإثبات أن الهلوسة تنشأ داخل القشرة البصرية. أنجزنا ذلك عن طريق عرض حلقتين وامضتين – واحدة لكل عين – من خلال التزامن ، فعند عرض حلقة واحدة يتم إخفاء الأخرى ، بحيث تتناوب الحلقتين بين العينين. وكانت هذه الأضواء تومض بمعدل ٢،٥ مرة في الثانية و هو معدل بطيء نسبيا ولا يسبب الهلوسة القوية عادة، لكن عانى المتطوعين من هلاوس متوافقة مع أضواء تومض حوالي خمس مرات في الثانية الواحدة. وكانت إشارات العينين يتم توحيدها في الدماغ لخلق هلاوس أسرع و أقوى. هذا الاتحاد للإشارات المستقبلة من كلا العينين يحدث فقط في القشرة البصرية أو في مناطق معالجة مبكرة أخرى من الدماغ تقوم باستقبال المدخلات البصرية قبل أن تبلغ القشرة البصرية. وحالياً نقوم باختبار هذه الوسيلة الجديدة لإنتاج وقياس الهلاوس في أشخاص يعانون من الاضطرابات العصبية لنتمكن من الكشف أكثر حول كيفية اختبار ومعالجة الهلوسة السريرية في الدماغ . إذا استطعنا اكتشاف التقنيات الكامنة للهلاوس البصرية فذلك سيزودنا بأهداف لنركز العلاج عليها. نأمل أن تفتح لنا هذه التقنية الجديدة أبواباً لسبل جديدة للبحث. وليس فقط بتسليط الضوء على أسس الوعي البشري ، وإنما النفع أيضاً في تطوير علاجات جديدة لأولئك الذين يعانون من الهلوسة .
See this content immediately after install