Zamen | زامن
خارطة طريق من فادي غندور لتعزيز البيئة الريادية في المنطقة
نُشرَت هذه المقالة أساساً على مجلّة "زينيث" Zenith يمكن للسياسات التقدّيمة أن تساعد في إطلاق الإمكانات الاقتصادية وتوفير فرص العمل من قبل روّاد الأعمال التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما كتب فادي غندور. عندما تنظر إلى العالم العربيّ عن قرب، سترى منطقةً تقف على عتبة الابتكار والجرأة يقودها شبابها نحو ثورةٍ تكنولوجية. هذا الجيل من الرياديين المبدِعين والبارعين في مجال التكنولوجيا يعيدون تشكيل القطاعات التي يعملون فيها، ويخلقون مصادر جديدةٍ للثروة، ويؤسّسون بيئةً رياديةً نابضة بالحياة، في الوقت الذي ترتفع فيه معدّلات البطالة في منطقتهم. ولكن على الرغم من الإمكانات الهائلة للشركات الناشئة التكنولوجية، فهي تواجه الكثير من العقبات ضمن واقعٍ اقتصاديّ لا يتجاوب مع حاجاتها. كما أنّ البيروقراطية والسياسات البالية تساهم في تضخيم الصعوبات الكثيرة التي تعيق تأسيس عملٍ ناجح. الابتكار يرتبط دائماً بالمخاطر، لذلك توضع الأنظمة والقوانين للتخفيف من إمكانية الفشل غير المتوقّع لنماذج الأعمال لجديدة. وبالتالي، ينبغي على صنّاع السياسات تحقيق توازنٍ أفضل لصالح الابتكار والنموّ. من وجهة نظر ما يقارب 20 رائد أعمالٍ في قطاع التكنولوجيا، فإنّ الإصلاحات اللازمة لتحفيز ريادة الأعمال واضحة ولا تكلّف الحكومات العربية الكثير، وهي قابلة للتحقيق كما تُظهِر تجارب بعض البلدان الرائدة في هذا المجال. المُلكية الأجنبية المشكلة: من أكبر العقبات التي تواجه روّاد الأعمال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي القيود المفروضة على الملكية الأجنبية. فهذه الأخيرة لا تؤثّر فقط على تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية المباشرة وحسب، بل أيضاً على حركة الشركات والقدرة على إطلاق الأعمال في أسواق مختلفة في المنطقة. وبالتالي فإنّ هذه القيود تخنق النموّ الاقتصاديّ، كما تحدّ من قدرة روّاد الأعمال في الحصول على رأس مالٍ أجنبيّ. الحلّ: اتّخذت بعض الدول خطواتٍ واعدةً بالفعل، مثل السعودية والإمارات العربية المتّحدة والأردن ومصر، وهي تعمل على وضع قوانين لتخفيف القيود عن الملكية الأجنبية. إلّا أنّ هذه القوانين لا تزال بحاجةٍ إلى العمل على إدخال إصلاحاتٍ شاملة تساعد قطاع التكنولوجيا وغيره من القطاعات. استجابَت البحرين لهذه الدعوة وباتت تسمح بالملكية الأجنبية الكاملة في قطاع المعلومات والاتّصالات وغيره من القطاعات الرئيسية الأخرى. مثل هذه الخطوات ستؤثّر إيجاباً على الشركات الناشئة التي تحتاج إلى رؤوس الأموال الأجنبية والخبرات التي ترافقها. التمويل المشكلة: من المعروف أنّ الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسّطة MSMEs في المنطقة تواجه صعوباتٍ كبيرة عند محاولة الحصول على تمويل. ووفقاً لـ"مؤسّسة التمويل الدولية" IFC، فإنّ ما يقارب 63% من هذه الشركات لا يمكنها الحصول على تمويل. في الوقت نفسه، هناك عقباتٌ كبيرة أخرى تعيق ممارسة الأعمال في المنطقة، تتمثّل في غياب قوانين حديثة لإعادة الهيكلة. وهنا يمكن ذكر قانون الإفلاس الذي يغيب عن معظم اقتصادات المنطقة تاريخياً وما يسبّبه من مشاكل. غياب هكذا قانون يحول دون إمكانية إعادة هيكلة الديون، ويزيد من احتمال تخلفّ الشركات الناشئة عن سداد القروض، ويساهم أيضاً في إحجام البنوك عن إقراض المشاريع المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة. الحلّ: هذا الرابط أدركَته عدّة بلدان في المنطقة، بما فيها الكويت ولبنان وقطر والإمارات مؤخّراً، فاعتمدَت قوانين جديدة للإفلاس لتعزيز البيئة الاستثمارية. ولكن يجب الأخذ بعين الاعتبار أنّ تمكين هذا الجيل من روّاد الأعمال في مجال التكنولوجيا يتطلّب وجود أطر مالية مناسبة للبنوك والشركات الناشئة. وذلك للحدّ من الفجوة المتمثّلة بالإقراض، وتعزيز وجود رأس مال محلّي حيويّ، وتمكين الشركات من تسيير أمورها المالية للمضيّ قدُماً. أنظمة العمل المشكلة: يجب على القطاعات التي تعتمد على التكنولوجيا والتي تنمو بسرعة أن تكون متجاوبةً مع تغيّر متطلّبات السوق. ولكنّ قوانين العمل الحالية – بما في ذلك إجراءات الاستحصال على تأشيرة دخول والحصص التي ينبغي أن يمتلكها المواطنون – تجعل من شبه المستحيل على الشركات أن تستمرّ في توسيع عملياتها وأن تتحرّك بسرعةٍ في الأسواق. تعمد أغلب الشركات التكنولوجية إلى منح أسهمٍ لموظّفيها الأساسيين كجزءٍ من رواتبهم، للحفاظ على الموظّفين الرئيسيين واستبقائهم، غير أنّ قوانين الشركات في بلدان مثل الأردن ومصر لا تسمح للشركات المدرجة بتقديم خيارات الأسهم للموظّفين. وهذا بالطبع يؤثّر سلبياً على الولاء والإنتاجية والالتزام على المدى الطويل. الحلّ: اعتماد قوانين عمل أكثر مرونة، والسماح للشركات بتوفير خيارات الأسهم للموظّفين. الأسواق المجزأة المشكلة: تضمّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر من 350 مليون نسمة ويشكّل الشباب تحت 25 عاماً 60% منهم، وبالتالي فهي تُعتبَر واحدةً من أكثر الأسواق الاستهلاكية الشابة والواعدة في العالم. ولكنّ لكلّ بلدٍ في هذه المنطقة مجموعته الخاصّة والمختلفة من الأنظمة والقوانين. ما يعني عملياً أنّ شركةً ناشئةً في الأردن مثلاً لا تستطيع الخروج من سوقها المحلّية التي تشكّل فقط 2.1% من اقتصاد المنطقة ككلّ. الحلّ: تحرير حركة البضائع والأشخاص والشركات، بما يقدّم دعماً كبيراً للشركات الناشئة والأعمال. فتحرير التجارة سيعود على اقتصادات المنطقة بفوائد كبيرة جدّاً ليس أقلّها تحسين الإنتاجية، وزيادة التجارة البينية، وتنشيط الاقتصاد وزيادة الكفاءة جرّاء المنافسة. مواكبة الابتكار المشكلة: تَعِد الابتكارات التكنولوجية بحلولٍ جديدةٍ وأكثر كفاءة للكثير من المشاكل أو المتطلّبات. على سبيل المثال، فإنّ التكنولوجيا المالية fintech – وما يرافقها من عملات مشفّرة مثل "بيتكوين" Bitcoin وثقافة تمويل جماعي – تساهم في تشكيل بنى مالية جديدة بسرعة في مختلف أنحاء العالم، فضلاً عن زيادة كفاءة النماذج المالية الحالية. ومع ذلك، فإنّ صنّاع السياسات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم يتبنّوا حتى الآن التكنولوجيا الحديثة كحلّ، ولم يحدّدوا أساليب جديدة لمواكبة سرعة الابتكار في المنطقة. الحلّ: ينبغي على الحكومات في المنطقة أن تطوّر استراتيجيات وأطر تنظيمية جديدة لمواكبة الابتكار. وهذا يعني بالنسبة إلى التكنولوجيا المالية أن تتمّ مراجعة قوانين المصرف المركزيّ، وأن توضع برامج تشجّع على الاستثمار التأسيسيّ في المراحل المبكرة من عمر الشركات الناشئة العاملة في مجال التكنولوجيا المالية والتمويل الجماعيّ. الإنترنت المشكلة: على الرغم من استثمار بعض حكومات المنطقة في تحسين البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، يستمرّ معظمها في إعاقة هذا القطاع. وذلك من خلال القوانين التي تحدّ من المنافسة، بالإضافة إلى فرض قيودٍ على المحتوى الرقميّ والوصول إلى الإنترنت. في بعض الدول، يُعدّ تقييد المنافسة وحظر بعض خدمات الإنترنت الأساسية مثل الاتّصالات الصوتية VOIP بمثابة آلياتٍ لمراقبة الأسعار في السوق. كما يسود فيها قوانين صارمة وتدابير تقنية للسيطرة على الوصول إلى الإنترنت واستخدامها. الحلّ: عدم تقييد خدمات الإنترنت وتمكين الناس من الحصول عليها بمختلف أنواعها، وفتح الأسواق من أجل منافسةٍ عادلةٍ تفضي إلى توفير الإنترنت بأسعار معقولة، وكذلك تحفيف القيود وتذليل العقبات أمام التدفقّ الحرّ للمعلومات. إدراك الفرصة العالم العربيّ على مفترق طرق، لذلك يتوجّب على صنّاع السياسات أن يدركوا الفرصة وأن يعمدوا إلى تبسيط الأطر التشريعية والتنظيمية لتمكين الشركات الناشئة التكنولوجية؛ وأن يضعوا سياساتٍ تساعدها على الوصول إلى الأسواق في المنطقة؛ وكذلك أن يوحّدوا الجهود ويكثفوها على صعيد المنطقة لتأسيس سوقٍ مشتركة للتكنولوجيا؛ وأن يعملوا على تطوير البنى التحتية للاتّصالات. صنّاع السياسات يمكنهم أن يعيدوا تشكيل البيئة الريادية في المنطقة، وهي بيئةٌ قادرة على وصل العالم ببعضه البعض، وتنشيطه، وتشكيل مصدر إلهامٍ له. الصورة الرئيسية من "بيكسيلز" Pexels.
See this content immediately after install