Zamen | زامن
حديث حول الثورة العرابية
ربما يكون الحديث عن الثورة العرابية كاشفًا عن منطق تاريخاني يحاول أن يبحث عن قوانين التغير الاجتماعي من خلال قوانين التاريخ، إلا أني لا أتحدث عنها من هذا المنطلق، لأن التاريخانية تجرنا إلى الثبات المطلق مهملة التحولات المتراكمة زمنيًّا، لكن التحدث هنا من منطلق الثبات بتحول (يجوز أن نسميه الثبات الجزئي أو النسبي)، فهذه الثورة كانت مختلفة حتى عن شبيهتها ثورة يوليو من عدة نواحٍ، إلا أن أهم ناحية تحيرني هي كيف اكتسبت صفة الثورة الشعبية بهذه السرعة قبل أن يصل الزعيم أحمد عرابي للحكم، إنه لم يقدم شيئًا للجماهير سوى طموحاته العظيمة، كيف أقنع الناس بالخروج من بيوتهم ومؤزارته، لقد كانت ثورة يوليو حركة عسكرية تحولت إلى ثورة بإنجازاتها التي أدت إلى ارتفاع شعبيتها بدءًا من الإصلاح الزراعي مرورًا ببناء السد العالي وتأميم القناة وصولًا إلى الذروة بالوحدة مع سوريا. أعتقد أن فرادة الزعيم عرابي كانت السبب في اختلاف الثورة العرابية عن باقي الثورات المصرية، إلا أنها لم تكن السبب الوحيد وسوف أحاول في السطور التالية إعطاء لمحة موجزة عن هذه الثورة التي لم تنصفها الدراسات والأبحاث التاريخية. تكتسب الثورة العرابية فرادتها لا من حيث إنها أحيت الروح القومية لدى المصريين فقط ولا حتى من كونها أول محاولة في تاريخ مصر الحديث لإقامة الجمهورية (فالأستاذ لويس عوض يرى أن حركة همام كانت محاولة سابقة كمنت فيها بذور الجمهورية)، فالثورة العرابية – ككل الثورات – كانت ابنة عصرها، وبالتالي فهي وليدة ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية تكتسب منها تميزها واختلافها عن غيرها، وكل نوع من هذه الظروف يمثل مدخلًا مختلفًا لتفسير الثورة مما يؤدي إلى تباين الآراء والأطروحات المتناولة للموضوع الواحد (الثورة). فالظرف السياسي الذي أدى لثورة يوليو سوف يتحدث مثلًا عن الاحتلال الإنجليزي وهزيمة فلسطين، بينما يتحدث الظرف الاقتصادي عن التفاوت الطبقي وسوء توزيع الثروة ومجتمع النصف في المائة، بل إننا نجد تفسيرًا ديموجرافيًا للثورات لدى عالم الاجتماع جاك جولدستون استخدمه سببًا رئيسًا في قيام الثورة الإنجليزية في القرن السابع عشر حيث تؤدي الزيادة السكانية إلى عدم الاستقرار السياسي متسببة مع الضرائب المرتفعة – خاصة على الطبقات الفقيرة – في حدوث هبات شعبية، وهو ما حدث في حالة الثورة الفرنسية وثورتنا التي نتحدث عنها هنا، ربما كان هذا من أسباب تأثر الزعيم أحمد عرابي بالثورة الفرنسية، إلا أنه يوجد اختلاف رئيس وبسيط بين الثورتين؛ فالأولى أدت إلى سقوط الأرستقراطية، وهو ما لم يحدث في الثانية بسبب التدخل العسكري الإنجليزي. لا يمكن فهم الثورة العرابية بدون فهم الأوضاع السابقة والمسببة لها في نفس الوقت، وهذا يقودنا إلى فهم تكوين الطبقة الحاكمة التي لم تكن كلًّا متجانسًا: 1- فالأمراء المصريون من أصل عثمانى كان يتواجد بداخلهم تياران رئيسيان أحدهما يناصر النفوذ الأوروبي والتكامل الاقتصادي مع أوروبا والآخر يؤيد تبعية الطرف للمركز العثماني، وبحلول سبعينيات القرن السابع عشر كانت هذه الطبقة تتملك حوالي ربع الأراضي الزراعية، 2-الشراكسة الذين نالوا حريتهم بعد سلبهم أرقاء من القوقاز، وتولوا مناصب هامة في الجيش والإدارة كان بعضهم مؤيدًا للطبقة العثمانية الحاكمة، والآخرون مندمجون في الطبقة المتوسطة المصرية، 3- والأعيان المصريون من كبار ملاك الأراضي الزراعية والإداريين وكبار العلماء، 4- لا يمكن تجاهل الجاليات الأوروبية التي شكلت حصان طروادة الممهد للاحتلال البريطاني، كان عدد الأوروبيين العاملين لدى الحكومة المصرية في أوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر حوالي 1300 موظف، 5- الشوام المهاجرون الذين لعبوا أدوارًا اقتصادية وثقافية هامة في مصر منذ القرن الثامن عشر وكان كثير منهم بمثابة الكومبرادور للاقتصاد الأوروبي العالمي فكان من الطبيعي أن يعارضوا الحكم المطلق للخديوي، إذًا ما يجمع العناصر السابقة (مع الخديوي بالطبع) هو الموقف المناهض لكل ثورة تهدد مصالحهم باستثناء شرائح فرعية مثل التيار الثاني من الشراكسة والبورجوازية الريفية المتصارعة مع الأمراء، كذلك كان الفاعلون الثوريون من مشارب مختلفة وبالتالي كانت أسبابهم بالضرورة مختلفة وإن كان يجمعها: 1- العامل الاقتصادي الاجتماعي كالفلاحين الذين عانوا من مراباة اليهود واليونانيين، وطوائف الحرف والصناع الذين شعروا بالظلم من منافسة العمال الأوروبيين لهم والاختراعات التكنولوجية كما أن ازدهار ثم ركود مبيعات القطن المصري منذ أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر حتى قيام الثورة العرابية أعاد إلى الأذهان نظرية المنحنى التي تقول إن الثورات تقوم بعد فترة من الازدهار (حيث تتعاظم الآمال) يعقبها هبوط اقتصادي (حيث يتفجر الغضب)، أو 2- العامل الوطني الثقافي ممتزجًا بالمصالح الاقتصادية كالإنتلجنسيا من أبناء البلد الشاعرة بالاضطهاد من المنافسة الأجنبية في الوظائف الحكومية أو بالغضب من الحال السياسي العام حيث أزمة الديون وتزايد النفوذ الأجنبي والحرب الإثيوبية عند منابع النيل (الأخيرة بالتحديد خلقت تيارًا غاضبًا في الجيش من سوء إدارة الخديوي إسماعيل لا سيما بين صغار الضباط المصريين) لذلك كانت الثورة العرابية ثورة متعددة الطبقات وإن تشابك فيها الصراع الطبقي داخليًّا مع أهداف الحركة الوطنية إقليميًّا. بعد أن حاولت توضيح كل من التكوينين (الثوري والمناهض للثورة) مُلمحًا بين ثناياه إلى الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية، أحاول أن أوضح جانبًا آخر من المشهد الثقافي الاجتماعي الذي اتسم 1- بتحسن انتشار القراءة والكتابة، 2- وتطور الوعي بفضل التلغراف وتطور وسائل المواصلات وطباعة الصحف والكتب، فلا ننسَ أن أفكار العثمانيين الشباب (كان منهم شقيق الخديوي إسماعيل منفيًا) المنادية بالإصلاح الدستوري نجحت في التسلل لمصر وخلق تيار ثقافي مؤيد لهم، كما لا ننسَ صحفًا مصرية كثيرة مثل المحروسة والعصر الجديد لسليم النقاش والوطن والأهرام والإسكندرية والبرهان والحجاز والتنكيت والتبكيت لعبد الله النديم خطيب وأحد أبطال الثورة العرابية، والذي سوف تتذكره إذا قرأت شهادة هنري ترويا في حق تشيكوف «إن قراءته تشبه القيام برحلة في أرجاء روسيا في أواخر القرن التاسع عشر برفقة دليل هادئ نقي التفكير، تعرف منه كل ما هنالك». 3- الهجرة من الريف إلى المدينة، 4- الجمعيات السرية والمحافل الثقافية مثل جمعية حلوان والمحفل الماسوني ومصر الفتاة. هذه العوامل لا تخلق ثورة بمفردها بالطبع ولكنها ترفع نسبة الحراك الاجتماعي، يكفي أن العامل الثالث كان عالم الاجتماع أنطوني جيدنز يقول فيه «لا تظهر المدينة كحاوية لسلطة الدولة فقط لكن كمولد محتمل لنشاط معارض أو مُعادٍ لها»، وربما كان اعتناق أغلب المصريين للمذهب الشافعي والمالكي نوعًا من المقاومة الثقافية للطبقة الحاكمة المعتنقة للمذهب الحنفي تأثرًا بالمركز التركي. ولكن ماذا عن التدخل العسكري الأجنبي (كان الأسطول الفرنسي متظاهرًا أمام الإسكندرية، لكنه انسحب تاركًا التدخل للإنجليز)، قد نفهم الصورة بشكل أفضل، ونفهم لماذا ضربت الثورة العرابية إذا عددناها خطرًا على الرأسمالية العالمية وقتها، وهذا ما تكرر في ثورة 19، وثورتي يوليو ويناير، أما الباب العالي فقد اعتبر الثورة خطرًا على الإمبراطورية منذ اللحظة الأولى، فأصدر فرمانه بعزل عرابي توقيًا من انتشار الثورة إلى باقي الولايات العثمانية. قد يهاجم البعض في ختام القول الثورة العرابية والثورات عمومًا متفقًا مع وجهة نظر جوستاف لوبون في كتابه «روح الثورات» حول أن التبدل والتقدم سنة طبيعية من سنن الحياة تحدث غالبًا ببطء، وتجيء الثورات لا تسرع التقدم بل لتدمر أو تُرجع للخلف. مهما كان الأمر فقد نعى الأستاذ نجيب محفوظ البطل عرابي أمام العرش على لسان إخناتون وإيزيس قائلًا: لقد جرت عليك النهاية المقدرة للقلوب الطيبة.
See this content immediately after install