Zamen | زامن
دروس من نكبة الأندلس
إن المتمعن في صفحات التاريخ البشري، ومجرى أحداثه؛ سيجد مجموعة من القواعد والمبادئ التي تفسر نسق وتفاعل الأحداث التاريخية، كموضوع نشوء الحضارات وسقوطها التي شغلت اهتمامات العديد من المؤرخين في دراساتهم الفكرية، منتجين بذلك العديد من النظريات لتحليلها ودراستها. وفي هذا الصدد تعد نظرية «أرنولد توينبي» المستوحاة من التراث المعرفي لـ«ابن خلدون» الأبرز على الإطلاق؛ حيث يرى بأن نشوء الحضارات البشرية هو نتيجة استجابة لمجموعة من التحديات، روحية ومادية، في حين إن سقوطها هو «تمظهر» لجمود وعجز؛ بفعل فقدان روح الإبداع والتجديد. ولأن الغرض الأساسي من دراسة التاريخ ليس سرد المنجزات، والتغني بالأمجاد والبطولات، بقدر ما هو تفسير لنسق الأحداث، واستخلاص القيم والعبر منها بقصد تدارك الاخطاء، وتكوين نظرة شمولية تمكن من استشراف المستقبل، ففي صفحات تاريخنا العديد من الأحداث المميزة منها ذكرى سقوط الأندلس، التي شكلت في أوج ازدهارها منارة حضارية بددت ظلام التخلف والجهل الذي خيم على أوروبا منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية. إن قصة الأندلس تعد من أهم الدروس التي يجب أن نستخلص منها العبر؛ بحكم تشابه أزماتها مع ما نعيشه في واقعنا الحالي من حروب وصراعات داخلية، وجمود حضاري بفعل غياب روح خلاقة، وبتوظيف الأدوات المنهجية لنظرية الاستجابة والتحدي لتوينبي سيبين حجم التقاطع الواضح بين ماضينا وحاضرنا. لم يشكل الوجود الإسلامي في الأندلس (711م-1492م ) مجرد غزو عسكري تمدد إلى الشمال في مراحل الأوج والازدهار، ثم انكمش وتراجع في مرحلة الضعف والهوان، اختتم بطرد المسلمين النهائي بعد توقيع «أبي عبد الله الصغير» ملك غرناطة معاهدة الاستسلام أمام الملكين الكاثوليكيين «إيزابيلا وسيباستيان» سنة 1492، بل شكل نموذجًا حضاريًا انصهر فيها العديد من الثقافات؛ منتجة بذلك صرحًا مميزًا لا تزال أطلاله تحكي أمجاده الغابرة. غير أن هذا الرقي والازدهار الذي شهدته الأندلس في أغلب فتراتها تضمن في طياته بذور نكسة، ولأن الحضارات لا تموت قتلًا، بل انتحارًا؛ فقد شكلت الأسباب الداخلية أبرز العوامل المسؤولة عن سقوط الأندلس، وبعرض مجريات الأحداث التي طبعت مسار تاريخ الأندلس وتحليلها يمكن استخلاص ما يلي: الانشقاق وضياع الوحدة في الكيان: تميز المجتمع الأندلسي بغلبة مظاهر الترف والبذخ الشديد؛ مما أثر في نفسية الإنسان الأندلسي، وخلق لدية شعورًا بالتميز من حيث الهوية، كما تغيرت رؤيته الفلسفية للحياة؛ حيث ترسخ في وجدانه ضرورة التمتع بمباهجها إلى درجة الانغماس في الانحلال الأخلاقي.وأدت هذه التحولات البنيوية التي شهدها المجتمع الأندلسي إلى بروز نوع من الغربة الثقافية وشعور بالضياع الروحي، وتنامي الروح الانهزامية، والعجز عن مواجهة الصعاب، وهو الأمر الذي يفسر عجزهم عن مقاومة الهجمات المسيحية التي قادت في النهاية إلى طردهم بشكل نهائي من الأندلس. تخلي الأغلبية عن دعم النخبة الحاكمة: عانت النخبة الحاكمة بالأندلس من غياب سند شعبي لها، كنتيجة لإسرافهم في الترف والبذخ لإشباع نزواتهم الشخصية، حيث تفننوا في بناء القصور والمنتزهات، وشراء الجواري والعبيد، والإغداق على الشعراء بالأموال الطائلة.ولتمويل نفقاتهم الشخصية لجأت النخب الحاكمة إلى إثقال الرعية بالضرائب الباهظة، دون مراعاة للوضعية المعيشية لغالبية الأندلسيين، ومن جانب آخر استغل هؤلاء الجباة سلطتهم ونفوذهم لتحقيق الثراء السريع، بفعل ضعف الوازع الديني، إذ كانوا يعمدون إلى رفع مقدار الضرائب، وإجبار السكان على أدائها، وفي ظل هذا الحكم اضطرب بنيان المجتمع الأندلسي مع استفحال الكوارث وارتفاع الأسعار، يضاف إليها غياب الأمن والاستقرار الناتج عن هجمات المسيحيين. ضعف القوة الخلاقة لدى الأقلية الحاكمة ، بالرغم من وجود الأندلس في بيئة عدائية كجبهة متقدمة من العالم الإسلامي في أوروبا المسيحية، فلم يولد هذا الأمر شعورًا بالتحدي لدى النخب الحاكمة في بلاد الاندلس، ومحاولة إيجاد حلول لها؛ فقد ظلت منغمسة في انشغالاتها القائمة على الترف والبذخ.وتميز الوضع السياسي في الأندلس منذ سقوط الخلافة الأموية بالتفكك والتشرذم السياسي، خصوصًا في عهد ملوك الطوائف، إذ طغى على علاقاتهم البينية طابع الصراع والتنافس على توسيع مجال النفوذ بالاعتماد على القوة العسكرية، أو التحريض، أو حتى التواطؤ مع الممالك المسيحية عبر عقد صفقات تتضمن تسليم قلاع أو أراضي مقابل التعهد بضمان الحماية، والاعتراف بالسيادة؛ مما سهل إخضاع الإمارات الأندلسية والسيطرة عليها. وفي جانب آخر رسخت النخب الحاكمة بالأندلس بدافع الحفاظ على السلطة والثروة، العصبية القبلية والعرقية بين مكونات المجتمع الأندلسي من القبائل العربية، أو بينهم وبين البربر؛ مما أحدث شرخًا في النسيج الاجتماعي، وأفقدها بالتالي الهوية الموحدة التي تعتبر المقوم الأساسي لبقاء الأمم. ولأن منطق التاريخ صارم في «حركيته»؛ فقد أدى العجز عن مجابهة هذه التحديات التي عانى منها الأندلس في مراحله المتأخرة إلى سقوطه النهائي بعد تسليم أبي عبد الله إمارة غرناطة، آخر معاقل المسلمين إلى ملكي قشتالة يوم 2 يناير (كانون الثاني) 1492منهيًا بذلك قرابة ثماني قرون من الوجود الإسلامي. بسقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين بالأندلس، أكملت الحضارة الإسلامية دورتها الكبرى، وغابت عن التأثير في صناعة التاريخ العالمي؛ لتغط في سبات عميق إلى أن باغتها الاستعمار الأوروبي في القرن 19؛ مما جعلها في حالة الصدمة الحضارية. وبالرغم من المحاولات الإصلاحية وبوادر النهضة التي شهدها العالم الإسلامي مع الازدهار الفكري مع كتابات «جمال الدين الأفغاني» و«الكواكبي» وغيرهما لتفكيك بنية التخلف التي أصابت العالم الإسلامي، فإنها لم تحقق المراد، حيث ظلت إنتاجاتهم الفكرية حبيسة الرفوف. وحتى مع نيل الأقطار العربية لاستقلالها بفعل حركات التحرر الوطني، وبروز العديد من المشاريع الإصلاحية، فقد ظلت ترزح تحت نير متلازمة الانسداد الحضاري بسمات تخلف موروثة عن حقب تاريخية، أبرزها التشرذم السياسي الناتج عن الاستقطاب الطائفي والقبلي وغياب ثقافة الوحدة والتضامن والافتقار إلى عقد اجتماعي قائم على العدالة الاجتماعية بين النخب الحاكمة والأغلبية. إن حالتنا الحضارية المتسمة بتعدد أزماتها السياسية والاقتصادية، تجعلنا أمام تحدٍّ وجودي، فان لم تخلق روح خلاقة قادرة على بعث الحضارة الإسلامية من جديد، وإعادة دورها في صناعة التاريخ؛ فإننا سنظل بيادق في رقعة شطرنج كبرى يحركها لاعبون يمثلون القوى الكبرى في العالم. المراجع : محمد الزناتي، العرب و التاريخ ، جريدة المساء، 25-05-2010. مقالات في التاريخ ، فلسفة التاريخ عند توينبي. الأندلس من السقوط إلى محاكم التفتيش أحمد محمد عطيات
See this content immediately after install