Zamen | زامن
فاندين بوريي... رحلة قصيرة مليئة بالإثارة من إندرلخت إلى مازيمبي الكونغولي
المدافع أنتوني فاندين بوريي لم يكن قط في مصاف اللاعبين متوسطي المستوى. وعن نفسه، قال اللاعب البلجيكي الدولي السابق في تصريحات له الأسبوع الماضي: «أنا فتى بسيط وصادق لكن عالم كرة القدم قاسٍ. المال في هذا العالم أهم شيء وهذا عار. والآن، لم تعد لدي ثقة بكثير من الناس، وعلى رأسهم بالتأكيد الصحافيون والمدربون. كثير من الناس يحكمون علي دون أن يعرفونني حق المعرفة». وبعد أقل من شهرين على إعلانه اعتزال كرة القدم في سن الـ29، مبررًا قراره بـ«غياب الحافز»، خرج إلى شوارع ثاني أكبر مدن الكونغو الديمقراطية - لوبومباشي - 30 ألف من محبيه الأسبوع الماضي لإلقاء نظرة عليه بعد توقيعه عقد الانضمام إلى فريق تي بي مازيمبي الكونغولي. في ذلك اليوم، وقف فاندين بوريي مرتدياً قميص النادي المميز بخطوطه البيضاء والسوداء على أحد مقاعد الركاب في سيارة، بينما أطلت رأسه من فتحة بالسقف، وحمل وجهه ابتسامة مشرقة أثناء التقاطه صورًا بهاتفه الذكي للحشود المرحبة به. بعد ذلك، انتقل موكب من سيارات رياضية نحو استاد النادي، ثم إلى ضيعة قريبة يملكها صاحب النادي والمرشح الرئاسي مويس كاتومبي، والتي من المقرر أن تصبح محل إقامة فاندين بوري خلال فترة إقامته بالبلاد. من جانبه، قال اللاعب: «لطالما حلمت باللعب في صفوف مازيمبي. إنها الأرض التي تنتمي إليها أمي. إنها الأرض التي حنّ إليها قلبي. وكل من يعرفونني يدركون جيدًا ما يعني بالنسبة لي هذا النادي. وبالفعل، يشعر جميع أصدقائي بالإثارة، بما في ذلك مدافع مانشستر سيتي البلجيكي فينسنت كومباني حيال انتقالي إلى هنا. وأعربوا لي عن تهنئتهم لي عبر الهاتف». ومن بين المؤشرات على المكانة التي ينعم بها فاندين بوريي داخل وطنه الأم، تصدرت أنباء عودته العناوين الرئيسية للصحف البلجيكية طوال الأسبوع. وبعثت أكبر صحف البلاد، مراسلاً على نفس الطائرة التي استقلها فاندين بوريي إلى لوبومباشي والتقط فيديو للاستقبال الحافل الذي حظي به اللاعب. إلا أنه من أجل تفهم سبب الاهتمام الشديد بمثل هذه المسيرة الكروية المعقدة، يتعين علينا أولاً العودة إلى البداية. ولد فاندين بوري في الكونغو الديمقراطية لأب بلجيكي وأم كونغولية، بعد ذلك انتقلت أسرة فاندين بوري إلى بروكسل عندما كان في الخامسة من عمره. وانضم إلى فريق إندرلخت في سن الثامنة، وأصبح نجم فريق الناشئين رغم وجود كومباني في صفوف الفريق والذي كان أكبر منه بقرابة 18 شهرًا. في البداية، لعب فاندين بوري في مركز لاعب خط وسط مهاجم وساعده في ذلك سرعته الهائلة التي جعلته ينطلق على نحو أشبه بالبرق، ليحظى بفرصة المشاركة للمرة الأولى في مباراة بالدوري الممتاز في مارس (آذار) 2004 وكان عمره حينها 16 عامًا و187 يومًا فقط. وبعد خمس مباريات فقط مع الفريق الأول، وقع الاختيار عليه للمرة الأولى للانضمام إلى المنتخب الوطني. وفي هذا الصدد، أكد اللاعب البلجيكي الدولي السابق بول فان هيمست، المهاجم السابق المعروف بـ«بيليه الأبيض» واللاعب الوحيد الذي لعب في صفوف المنتخب البلجيكي في سن أصغر في ذلك الوقت، أنه: «يعتبر الموهبة الكبرى التي رأيتها في حياتي الكروية». إلا أن قصة غرام فاندين بوري وإندرلخت مرت بفترات عاصفة ولم تستمر طويلاً. كانت الإشادات قد انهالت على فاندين بوري لأدائه المتألق في مركز الظهير الأيمن خلال مواجهة أمام تشيلسي في إطار دوري أبطال أوروبا انتهت بهزيمة النادي البلجيكي، قبل مباراة بالدوري الممتاز في مواجهة زولته فاريجيم في ديسمبر (كانون الأول) 2005، خرج فاندين بوري إلى الملعب ليظهر بقصة شعر جديدة رسمت على رأسه الحروف «إيه في بي» على الجوانب الثلاثة من رأسه. إلا أن المدرب فرانكي فيركوتيرن لم يرقَ له الأمر، ودفع بلاعب آخر محل فاندين بوري وكان في الـ18 حينها بعد ساعة من الأداء الضعيف. وعن هذا الموقف، قال فاندين بوري: «شعرت بضيق بالغ من انتقاد مدربي لقصة شعري. أعلم أنني كنت أبدو حينها في صورة شخص لا يبالي بشيء، لكن كانت هذه صورة خاطئة عني. إن الناس لديها صورة خاطئة عني. إنني إنسان مثل أي شخص آخر». وكانت تلك الحادثة بداية منحدر الهبوط في مسيرة فاندين بوري، فرغم تحوله إلى عنصر بالتشكيل الأساسي للفريق الأول بالنادي والمنتخب رغم أنه كان لا يزال يافعاً، مع اقتراب فاندين بوري من عيد ميلاده الـ20، بدا أنه وصل بالفعل لمفترق طرق في مشواره الكروي مع تصاعد وتيرة العقوبات التأديبية التي يتعرض لها. من ناحيته، قال الصحافي كريستوف تيرير، الذي يعمل في صحيفة «إتش إل إن» عن فاندين بوري: «التقيته لعقد مقابلة صحافية معه داخل معسكر تدريبي كان قد جرى تعيين طبيب نفسي للتو به للتعامل مع اللاعبين. وكان هذا إجراءً جديداً تماماً آنذاك. لذا أتذكر أنني سألت فاندين بوري عن رأيه في هذا الأمر، وأجاب: ينبغي لهم إلقاؤه في الماء فحسب. إنه عديم الفائدة». وفي اليوم التالي، تصدرت تعليقاته عناوين الصحف وغضب المدرب وأخرجه من الفريق. وكان هذا مثالاً على نمط المواقف التي كانت تتكرر دوماً معه. في أعماقه، يعتبر فاندين بوري شخص طيب للغاية، لكنه أحياناً لا يمعن النظر في تأثير ما سيتفوه به، أو ربما هو لا يأبه لذلك». في أعقاب خسارته مكانه داخل إندرلخت لصالح اللاعب البولندي الدولي مارتشن فاشيليفسكي (المشارك حاليًا في صفوف ليستر سيتي)، قضى فاندين بوري فترة في صفوف فيورنتينا مقابل 4 ملايين يورو في يونيو (حزيران) 2007. في تلك الفترة، عانت والدته كريستين من مرض عضال وتوفيت في سبتمبر (أيلول) عن عمر 61 عامًا. في ذلك الوقت، قال شقيقه فرانك: «رغب أنتوني في التوقف عن اللعب لبعض الوقت. كان يذهب للتدريب في فيورنتينا لاضطراره إلى ذلك فحسب. كان يرغب في التقاط أنفاسه، فقد كان وثيق الصلة بوالدته. قبيل ساعات من وفاتها، اتصلت بنا جميعًا كي تطمئن الجميع أنها بخير...» وفي غضون شهور وبعد مشاركته في مباراتين فقط، جرى بيع فاندين بوري إلى جنوا وبدا أنه يحقق بعض التحسن مع تحوله لعنصر ثابت بالتشكيل الأساسي في ظل قيادة المدرب جيان بييرو غاسبيريني، لكن سرعان ما اتضح أن هذا أيضًا كان «فجراً كاذباً»، ثم انتقل فاندين بوري على سبيل الإعارة إلى بورتسموث الذي كان يعاني أزمة مالية وذلك بداية موسم 2009 - 2010. وحصل اللاعب البلجيكي على بطاقة حمراء أمام بلاكبرن في مباراة انتهت بالتعادل السلبي في أبريل (نيسان) في وقت كان النادي يتجه نحو هوة الهبوط. وعقد فاندين بوري آماله على المشاركة في الشهر التالي في نهائي بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي، لكنه حقيقة الأمر كان دوماً عنصراً هامشياً في فريق بورتسموث. كان اللاعب لا يزال في الـ23 من عمره، لذا نال عرضًا للعودة إلى بلجيكا، الأمر الذي مكنه من الفرار من هذه الدوامة. ورغم موافقته على عقد قصير الأجل مع نادي جينك بعد أيام قلائل من القبض عليه بينما كان يقود سيارته «أودي» بسرعة 243 كيلومترًا في الساعة، فإن تعقيدات انتقاله من جنوا تسببت في إرجاء مشاركته الفعلية مع ناديه الجديد حتى يناير (كانون الثاني) 2011. وبإلهام من كيفن دي بروين، انطلق جينك ليحصد ثالث بطولة بلجيكية له ذلك الموسم مع اضطلاع فاندين بوري بدور محوري في خط الدفاع. إلا أن العلاقات سرعان ما ساءت بينه وبين المدرب الجديد ماريو بين، ليتعرض للتهميش من جديد، قبل أن يستغني النادي عنه نهاية الموسم. انتقل فاندين بوري إلى فريق تافريا سيمفيروبول الأوكراني الذي شارك معه في ثلاث مباريات فحسب، واقترب من جديد من لحظة النهاية لمسيرته الكروية مع بداية عام 2013 خلال فترة كافح خلالها للانتقال إلى نادٍ جديد. وجاء خلاصه في صورة إندرلخت على يد المدرب العام هيرمان فان هولزبيك. وعن ذلك، قال فان هولزبيك عندما جرى توقيع عقد لمدة ثلاث سنوات مع فاندين بوري: «قرر مجلس إدارة النادي تقديم يد العون لأنتوني، فالنادي لا ينسى أبدًا لاعبيه السابقين الذين يواجهون عثرات في طريقهم. إننا نعرف أنتوني جيدًا ونأمل في أن يتشبث بهذه الفرصة ويحسن استغلالها». من جانبه، أقر فاندين بوري أنه: «أنا أول من يعترف أنني اعتمدت لفترة طويلة للغاية على موهبتي فحسب. وقد أثار توجهي العام غضب ماريو بين وأخبرني أنني أهدر فرصة بناء مسيرة كروية ناجحة. وفي سن الـ24، عثرت على التوازن في حياتي. ونمت بداخلي الرغبة في المشاركة في كأس العالم في البرازيل عام 2014 مع المنتخب البلجيكي». في الموسم التالي، نجح في فرض نفسه كخيار أول في فريق إندرلخت مع نجاحهم في الاحتفاظ باللقب. وبالفعل، جرى استدعاؤه للانضمام إلى المنتخب البلجيكي بقيادة المدرب مارك فيلموتس المتجه إلى البرازيل. ولم يشارك فاندين بوري خلال أول مباراتين بدور المجموعات، لكنه نال الفرصة أخيراً أمام كوريا الجنوبية في ساو باولو، إلا أنه أصيب بتمزق في عظام الكاحل خلال الدقائق الأخيرة من المباراة ليحرم من المشاركة باقي البطولة. ومع هذا، عاد إلى الملاعب في الوقت المناسب ليسجل هدفين بمرمى آرسنال في إطار مباراة مثيرة انتهت بالتعادل 3 - 3 في بطولة دوري أبطال أوروبا. ومع هذا، جاء المدرب الجديد بيسنيك هاسي ليدفع بفاندين بوري إلى الفريق الاحتياطي، وانطلقت موجة غضب في الصحف البلجيكية لتبدأ بذلك سطور النهاية. عن هذا الأمر، قال فاندين بوري: «أراد مني حمل أكياس القمامة. لقد فعل كل ما بوسعه لإخراجي من صفوف الفريق. إلا أنني كنت مرتبطًا مع النادي بعقد لمدة ثلاث سنوات. لذا لم يكن باستطاعة أحد إخراجي من النادي حتى لو صوب فوهة سلاح إلى رأسي». من جانبه، علق تيرير بقوله: «إنه متمرد دومًا. وأعتقد أيضًا أن الإصابات التي مني بها في توقيتات حساسة أضرته كثيرًا، لكن هذا لا ينفي أنه اتخذ عدداً من الاختيارات الغريبة في مسيرته الكروية. الواضح أنه لا يأخذ كرة القدم على محمل الجد، الأمر الذي قد تستمتع به الجماهير، لكن هذا القول لا ينسحب على المدربين». واستطرد قائلاً: «دائمًا ما بدا مفتقراً إلى شيء ما - ربما شخص ما ليوجهه في طريقه. كان يثق في الأشخاص الخطأ ولذلك اتخذت الأمور منحى سيئاً بالنسبة له رغم مشاركته في كأس العالم، الأمر الذي يشكل ذروة مسيرته. إلا أنه بعد ذلك عادت الأوضاع لتسوء من جديد». وبعد إقصائه عن الفريق الأول، انضم فاندين بوري إلى مونبيلييه في يوليو (تموز) الماضي وقدم أداءً جيداً حتى تبدلت إدارة الفريق لتعجل بعودته إلى بروكسل. وبعد أسبوع، أعلن عزمه الاعتزال، مشيرًا إلى أنه «سأم الكرة الأوروبية»، لكنه أرجأ هذه الخطوة بانتقاله إلى الكونغو الديمقراطية. وعن هذا الأمر، قال: «ليس هناك ما أشعر بالندم حياله. أنا أعشق المغامرة. وأحياناً أتى هذا الأمر بثمار طيبة، وأحياناً أخرى لم يحدث ذلك». وتولى تنظيم أمر الانتقال إلى مازيمبي الفائز بلقب بطل أفريقيا خمس مرات، جان فرنسوا لينفان، المدرس الذي عمل موجهًا للاعبي إندرلخت الأصغر بما في ذلك روميلو لوكاكو والنجم الصاعد يوري تيليمانز. وقال فاندين بوري: «في أيامي، لم يكن لينفان موجوداً ليمد لي يد العون. ربما حدث هذا لخطأ مني أنا. لم أحب المدرسة وكنت عنيداً. إلا أنني تعلمت أنه لزاماً علي العمل بجد والإنصات للمدربين واحترام الجميع. إنني أملك موهبة كبيرة، لكنني لم أبذل مجهوداً كبيراً بما يكفي». إلا أن هذه ربما لا تكون نهاية القصة، ذلك أن روبرتو مارتينيز، المدرب البلجيكي، ألمح إلى أن باب المنتخب الوطني ربما لا يزال مفتوحًا أمام أكسيل فيتسيل رغم انتقاله إلى الصين في صفقة بلغت عدة ملايين، مما يحمل بعض الأمل لفاندين بوري الذي لا يزال يحلم بإضافة المزيد إلى رصيده المؤلف من 228 مباراة دولية. وقال: «إنني لا أذهب هناك لأنال قسطاً من النوم، وإنما لأحصد بطولات. وإذا كان فيتسيل بإمكانه الانضمام إلى المنتخب عبر بوابة الصين، فأنا أيضاً بمقدوري ذلك من بوابة الكونغو. إن مازيمبي أكبر من بعض الأندية الصينية. لقد تركت المال وراء ظهري. ويبقى التساؤل هنا: أيهما أهم: المال أو القلب؟» وأضاف: «إنني أرحل إلى الكونغو لأكون قريباً من الناس، فهذا أسلوب حياة مختلف يروق لي».
See this content immediately after install