Zamen | زامن
إصبع غاليليو
عبدالله مودان طبيب وشاعر كنت مرةً في أمسية بأحد مقاهي جدة بمناسبة خروجه من الخدمة، وكان المقهى على مدار عِقد من الزمان قد جمع له سيرةً حسنة، وصنع طبقةً من الروّاد الأوفياء يقصدونه، للحميمية فيه، ولأنه كان مشروعا يتجاوز فكرة المقهى البسيط الذي يوفر قائمة لذيذة، إلى ملتقى ثقافي ذي بُعد رمزي. في ختام اللقاء، وقبل خروجه، أشار صاحب المكان للمكتبة وأن ما فيها هديةٌ للجميع، فتداعى الحضور ووثبَ الكلُّ يفرّغون الرفوف، وشاهدت الأصدقاء يحملون مجلّدات تنوءُ بالعُصبة أولي القوة، وشاهدتُ اثنين يتناوبون على حراسة رف ريثما يفرغ أحدهم الكتب واحدا تلو الآخر، أما أنا فظللتُ أراقب المشهد كاملا، تصلّبني عادة التردد في الاختيار والحسم، ولم أظفر سوى بكتابٍ يتيم هو "إصبع غاليليو"، في تمثّل للمقولة الدارجة "حين تكثر الطرائد، يقلّ الصيد" والكتاب يتحدث عن عشر أفكار علمية عظيمة يجدر الاطلاع عليها، من التطوّر للحمض النووي وفيزياء الكم، ساهمت وتُسهم في تغيير فهمنا المألوف للحياة والكون، وتشارك بتطبيقاتها وتفسيراتها في إعادة تعريف الإنسان ومهمته ووظيفته وحدوده ومكناته. ينبغي الإقرار بأهمية العلم في الفترة القريبة من تاريخ البشرية، بانتقاله من الحدس والتخمين، إلى الدليل العلمي، ومن امتزاجه بالأسطورة والخرافة، إلى المنهج التجريبي، في تطور يمكن تتبعه من سبل معرفة الحقيقة، والعلم بوصفة قوة هامة بدأ مع غاليليو بتقرير "برتراند راسل"، أي أنه لم يوجد إلا منذ ثلاثمائة سنة، ولم تكن جهود العلماء في كل الحضارات والحقب السابقة سوى تمهيدٍ لبروز العلم كعنصرٍ هام في تحديد شكل الحياة اليومية للناس. لكن هل يمكن فصل العلم عن مجالات الحياة، بحيث يؤثر فيها ولا يتأثر؟ يصعب الجزم بهذا، في الوقت الذي نرى فيه العلم يتأثر كثيرا بأمزجة العلماء، ومواقفهم المبدئية، وكل الحقائق العلمية تخضع لتفسيرات كثيرة وتأويلات متباينة خارج المجال العلمي. ظلت مقولة "العلم في وجه الدين" تطبع العصر الأول من تاريخ العلم الحديث، وظنّ العلماء الطبيعيون منذ نيوتن وقوانين الحركة الأولى أن بإمكانهم فهم الكون باعتباره نظاما ماديا مغلقا على ذاته، ونيوتن نفسه -رغم إيمانه- كان يتخيل الكون منتظما جدا، ذا أفلاك مرتبة تدور في دوائر إهليجية منتظمة تحمها قوانين الحركة والجاذبية البسيطة، وهذا التصور المادي للكون أدى للظن بقدرة العلم على الإجابة عن الأسئلة الأولى والنهائية للوجود، والتي شغلت الإنسان منذ وُجد على ظهر البسيطة.
See this content immediately after install