Zamen | زامن
المأزق السلفي
لا أتردد كثيرًا في كتابة الآتي، فالحقيقة دائمًا تأتي بما لا تشتهي أنفسنا، فهي موجعه بعض الوقت، وواقعية في باقي الأوقات، فالمسلمون اليوم يشهدون محنة قل نظيرها في التاريخ، تتمثل في عدم تقبلهم لحقيقة زوال مكانتهم الدولية التي كانت في يوم ما محط أنظار العالمين، فأمتنا اليوم غير قادرة على التصور بأن حضارة الإسلام التي سادت في القرون الماضية قد بادت، ولم يبق منها سوى حضارة نظرية كامنة في بطون الكتب، وأن القوة العسكرية الإسلامية التي دكت حصون مدينة القسطنطينية النصرانية لتحيل الكنائس إلى مساجد هذه القوة ما عادت متواجدة اليوم، وأصبح للمسلمين حاجة لقوى غير المسلمين لتحقيق الأمن والاستقرار. ماذا لدى المسلمين اليوم غير الجانب التعبدي من الإسلام المتمثل في إعلان الشهادتين، الصلاة، الزكاة، صوم رمضان والحج؟ وعدا ذلك لا يملك المسلمون زمام أمرهم فيه، فنحن عاجزون عن تقديم البديل الإسلامي من ناحية، وغير راغبين في تبني الأطروحات والمفاهيم المعاصرة التي تتعارض مع النص الديني بشكل مباشر أو غير مباشر من جهة أخرى، متناسين الحقيقة الكونية التي ورد ذكرها في القران الكريم (وتلك الأيام نداولها بين الناس). فالتداول هنا بمعنى الانتقال والتحول والتغيير من حال إلى حال. وهنا يتبين عمق الأزمة التي نعيشها نحن المسلمون اليوم من خلال صعوبة تطبيق الرأي الديني، وأكرر هنا – الرأي الديني وليس النص الديني – على واقع الحياة، والأمثلة على ذلك كثيره منها: الغناء والرقص الذي لا يختلف اثنان على تحريمه، وحدود الجلد والزنى وغيرها، والفائدة والربا في المعاملات البنكية، والتي لم تستطع البنوك الإسلامية تفادي استخدام المال وأصبح الفارق من حيث التسمية فقط – المرابحة – والنتيجة واحدة، وحق المرأة في أن تكون وليَة أمر، و المساواة بين المسلمين، وإعطاء الأجير أجره دون تجاهل حتى مع الأجور الزهيدة. وغيرها من القضايا المعاصرة التي يتبين في التعامل معها التناقض مع الأحكام الإسلامية. الشاهد أن مظاهر الأزمة الفكرية لشيوخنا أصبحت واضحة للعيان، بحيث أن التعامل مع النص الديني من خلال التفاسير قد أصبح مأزقاً ليس من السهل التخلص منه، والمنادون اليوم باسم النصوص الدينية في حالة عجز كامل عن تقديم الكيفية التي من خلال يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية. القضايا كثيرة، بل إنها أكثر من أن تحصى، الأمر الذي جعل كثيرًا من المتدينين يدورون في حلقة مفرغة، وبأحكامهم المتعارضة، فسنة الحياة تقتضي أن يعيش الإنسان بدين ما، يندمج فيه ويكافح من أجله، بل يموت في سبيله، أيًا كان هذا الدين، ولأننا مسلمون لابد من أن نعي أن الإسلام لن يموت، بل لابد أن نتخلى نحن عن تناقضنا، ونعرف حقيقة أن نكون كما نحن بروح الإسلام، لا بفكر الدين المنغلق على السلف وكتب التاريخ، فما عاشه السلف لا يصلح في الحياة المعاصرة، والإسلام الحضاري هو المنفذ من ما سبق، للخروج بالأمة من أدنى درجات الجهل إلى التطور والمدنية. هذه كلماتي، مناديًا بالعقلانية في المجتمع الإسلامي، ولابد من التفكير لاستعادة الرشد والوعي، وأنا أعلم تمامًا أني سألاقي تكفيرًا وترهيبًا وتهديدًا، لكن لا يسعني إلا الكتابة، خاصة في منصة تحترم الآراء، وتتقبل الأفكار، وبعيدة عن الجهات الرقابية، وقاطعي الألسُن، وعقيمي الفكر، وفي النهاية لا توجد حقيقة مطلقة، ومادام العقل هبة ربانية، وخصوصية، فلابد لنا من التخلص من التحجر، دُمتم مُتحررين مُتمدنين وعقلانيين. احمد فتحي محرر صحفي الملتقى الإعلامي العربي Af.saad@yahoo.com
See this content immediately after install