Zamen | زامن
الحركة المطلبية في قطاع غزة.. قراءة مغلوطة ضمن ثنائية المقدّس والمدنّس
إنّ المتابع لأزمة الكهرباء في قطاع غزة لا يُمكنه الزعم بحداثة هذه الأزمة، فأزمة الكهرباء في القطاع أزمة قديمة جديدة بدأت مذ بدأ الاحتلال الإسرائيلي فرض حصاره الغاشم على القطاع وذلك منذ أن قامت حركة حماس بفرض سيطرتها العسكرية على القطاع، ومن ثمّ الاضطلاع بمهام السلطة الإدارية والخدماتية لأهالي القطاع، وعلى الرغم من قِدم عمر هذه الأزمة إلا أنّ الجديد فيها كان الحركة المطلبية الواسعة التي خرجت في عدة مناطق من القطاع على شكل مظاهرات شبابية سلمية حاشدة انطلقت في 13 يناير الحالي وطالبت حكومة حماس بإيجاد حلّ سريع للأزمة بما ينسجم مع مسؤولياتها الإدارية ويتوافق مع اختيارها في البقاء في حيّز الحكومة صاحبة السُلطة الإدارية على القطاع وِشؤونه. وقد تعدّدت أشكال التعاطي مع هذه الحركة المطلبية ما بين الرفض المطلق والتأييد المطلق، وبغض النظر عن أصحاب التأييد المطلق وعن حيثيات هذا التأييد، فإنّ ما يُهمنا في هذا المقال هو تفنيد الخطاب الذي جاء به أصحاب الرفض المطلق لهذه الحركة المطلبية من خلال إلقاء الضوء عليه وبيان حقيقة موضعه في ثنائية المقدّس والمدنّس، فالقائلون برفض هذه الحركة انطلق بعضهم من وجهة نظر تقول بأنّ القائمين عليها لهم أهداف سياسية تتجاوز مطلب الكهرباء وتستهدف النيل من حكومة حماس ومشروع المقاومة التي تُمثّله، وقولهم هذا جاء حاملا لتبرير كلّ الممارسات القمعية التي جابهت فيها حكومة حماس هذه الحركة. وبالتدقيق في تفاصيل هذا القول، فإننا نلاحظ هذا الخلط اللامبرّر بين حدود المقدّس والمدنّس، فعلى الرغم مما يمتلكه خطاب المقاومة من احترام وطابع قُدسي في ذهنية الشعب الفلسطيني، إلا أنّ العمل على جرّه من خطاب غاياتي يوجّه ضدّ الاحتلال بهدف مقاومته ودحره، إلى خطاب أداتي يوجّه لقمع الشعب باسم مقاومة الاحتلال، كفيلٌ بجعل هذا الخطاب ينزلق من عليائه –باعتباره خطابًا مقدّسًا بوصلته الاحتلال- إلى وحل التدليس والتدنيس السياسي لتبرير القمع والاستبداد باسمه وتحت شعاره. وإنّ هذا الانزلاق يُفرّغ خطاب المقاومة من مضمونه ويجعله مُشابهًا لخطابات أخرى كثيرة ردّدها أباطرة الاستبداد وأعلام الطغاة في العالم العربي طوال الستّ سنوات الماضية، لتبرير قمع الحراكات الشعبية الثورية التي انطلقت في عدة دول عربية للمطالبة بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وأبرز هذه الخطابات خطاب الممانعة الذي استخدمه الطاغية بشار الأسد مبرّرًا وغطاءً لقمع شعبه طوال ست سنوات. وضمن هذا السياق، فإنّ هناك العديد من نظريات الحركات الاجتماعية التي تتيح قراءة وتفسير هذه الحركة الاحتجاجية المطلبية التي انطلقت في قطاع غزة للمطالبة بواحدة من الحاجات الحياتية الأساسية، وإنّ أبرز نظرية يُمكن أن تُفسّر في ضوئها هذه الحركة المطلبية هي نظرية الحرمان النسبي؛ والتي تُعرّف بأنّها الحالة التي يُحرم شخص أو جماعة من أمور يعتقدون أنّهم أحق بها، في حين أنّ شخصًا آخر أو جماعة أخرى تمتلك هذه الأمور، الأمر الذي يترتب عليه انبثاق حالة من اللارضا والغضب تكون هي المحرّك الأساسي للحركة الاحتجاجية عند الأفراد والجماعات. فالكهرباء حقّ من الحقوق الأساسية للإنسان، حُرِم منه المواطن الغزي على مدار أعوام، وتعمّق إحساسه بهذا الحرمان عامًا بعد عام، خصوصًا بعد ملاحظته بأنّ ما يسري عليه باعتباره مواطنًا عاديًّا لا يسري على فئات متنفذة أُخرى مقرّبة للسلطة السياسية تملك من الأموال ما لا يملكه، وهو ما يُمكّنها من الحصول على مصادر أخرى لتوليد الكهرباء، الأمر الذي دفع به للخروج في هذه الحركة المطلبية المشروعة. أخيرًا، فإنّ كلّ قراءة للحركة المطلبية الأخيرة التي انطلقت في قطاع غزة ابتعدت في تفسيراتها عن نظريات الحركات الاجتماعية، وتجنّبت نقد القمع الذي طال الحركة من قبل حكومة حماس بحجة تمثيلها لمشروع مقدّس كالمقاومة، هي قراءة مغلوطة، خلطت بين الثابت والمتغيّر، والغاياتي والأداتي، وعملت على جرّ خطاب النضال والمقاومة من ساحات المقدّس إلى أوحال المدنّس، ليُصبح محض خطاب تبريري يبّرر قمع الجماهير واستهدافها والتنكيل بها، ويبرّئ سلطة حماس السياسية من مسؤولياتها الإدارية التي وجب عليها الضلوع بها وفقًا لخيارتها في استمرارية تسيّد هرمية السلطة في القطاع.
See this content immediately after install