Zamen | زامن
وجه آخر للعلمانية
إن العلمانية التي سنعمل على بسطها في هذا المقال هي العلمانية «البنيوية والكامنة» التي تؤثر على الإنسان بوصفه فردًا بطريقة لا واعية، إنها علمانية تحتوي وتتجاوز ذلك التصور السطحي أو الضيق الذي يرجع العلمانية إلى ذلك الفصل التقني بين المؤسسة الزمنية وبين المؤسسة الدينية. فهذا التصور «الاختزالي» حسب الباحث عبد الوهاب المسيري -صاحب كتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة- ينظر إلى العلمانية باعتبارها منتوجًا فكريًّا غربيًّا خالصًا نشأ في أحضان الدين المسيحي بكونه يصرح في أحد نصوصه («ما لقيصر لقيصر وما لله لله»)، حيث إن الإسلام والمسلمين لا علاقة لهم لا من قريب ولا من بعيد بالعلمانية. إن تغلغل الفكر العلماني في المجتمع العربي الإسلامي حسب التصور الاختزالي مرده أساسًا إلى صدمة الحداثة الغربية، وبالتالي يجب التصدي لها عبر فرض الوصاية أو الرقابة على حرية التفكير أو الرأي والتحكم في الأجهزة الرسمية وتضييق هامش الحرية لديها. إن هذا المنظور الاختزالي يكشف عن قصوره وعقمه أكثر مما يظهر من نقاط قوته، لأن العلمانية ليست بهذه البساطة التي يتصورها التوجه الاختزالي، بل إنها ظاهرة تاريخية واجتماعية كاسحة. كما أنه يجهل بعض الحقائق المحايثة لمفهوم العلمانية التي يمكن بسط البعض منها كالآتي: – أية جماعة إنسانية مهما بلغ تمسكها بأهداف دينها لا بد أن تتعامل مع ظرفية الزمان والمكان والطبيعة والجسد من خلال إجراءات زمنية صارمة، فعملية بناء بيت للعبادة مثلا يتطلب اختيار عمال يتسمون بالكفاءة في أدائهم المهني بغض النظر عن مستواهم الأخلاقي أو النظر إلى معتقداتهم الدينية. – علاقة الدين المسيحي بالمجتمع الغربي علاقة مركبة :حيث إن العقيدة المسيحية لا يمكن اختزالها فقط في هذا النص «اتركوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله» بهذه البساطة الساذجة بل إن الدين المسيحي يشكل رؤية كاملة للكون والإنسان والله شكلت الإطار الأبيسمولوجي الذي كان يتحرك فيه العالم الغربي. بناء عليه يمكن القول، بأن العلمانية من وجهة نظر التوجه الاختزالي تغيب أهم العناصر الأساسية التي تقربنا من فهم العلمانية باعتبارها رؤية شمولية للطبيعة والإنسان والله، تسعى إلى فرض رؤيتها من خلال إعادة صياغة الإدراك والسلوك الإنساني عن طريق مجموعة من الآليات الظاهرة والكامنة، و إذا كان الأمر كذلك فإننا أمام «العلمنة البنيوية الكامنة». إن العلمنة البنيوية الكامنة تسعى إلى إعادة صياغة وجدان الناس وأحلامهم ورغباتهم وحياتهم الخاصة، حيث تؤثر فيهم بشكل لا شعوري من خلال منتجات حضارية يومية وأفكار شائعة تبدو في الظاهر بريئة تمهد الطريقة لانتشار العلمانية الشاملة للحياة، إذ يجد المرء ذاته موجهًا توجهًا علمانيًّا شاملًا . وتُصرف هذه العلمنة من خلال المنتجات الحضارية المألوفة لدينا فمثلا T-Shirt الذي كتب عليه مثلا «اشرب كوكاكولا». إن هذا الرداء الذي كان يوظف في الماضي لستر عورة الإنسان ولوقايته من الحر والبرد ويعبر عن الهوية قد وظف توظيفًا ذكيًا، يحيث أصبح جسد الإنسان مساحة لا خصوصية لها، إذ وُظفت هذه المساحة في خدمة شركة الكوكاكولا، وهي عملية توظيف تفقد المرء هويته حيث يصبح منتجًا بائعًا ومستهلكًا للكوكاكولا. أي أن اللباس لم يعد ضرورة بيولوجية بقدر ما أضحى اليوم آلية برانية من آليات العلمنة البنيوية الكامنة، والأكثر من ذلك فالعلمنة تهدف إلى التغلل في باطن الإنسان لتصل إلى عالم أحلامه ورغباته. ولعل أخطر آليات العلمنة البنيوية الكامنة في العالم هي الإعلانات التليفزيونية الظرفية البريئة، إنها إعلانات تسوق للعالم طقوس الجنس والاستهلاك بكونها قيمتين عظيمتين، فالنجمة السينمائية المشهورة التي تحدثنا عن ذكريات طفولتها، فلسفتها في الحياة، وعدد المرات التي تزوجت فيها، وخبراتها المتنوعة مع أزواجها أو مع عشاقها من الأثرياء وصغار السن، ثم تتناقل الصحف والمجلات هذه الأخبار وكأنها الحكمة كل الحكمة، أليس هذا علمنة للوجدان والأحلام والرغبات؟ إذ تتحول النجمة إلى مصدر للقيمة ويصبح أسلوب حياتها القدوة التي تحتذى، وتصبح أقوالها المرجعية النهائية والمسكينة لا علاقة لها لا من قريب أو بعيد بأية مرجعية، إذ أن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جغرافية جسدها الناعم ومع ذلك تصور الصحف والمجلات التي تبرز آراء هذه النجمة ومكانتها على أن كلماتها لا تقل في حكمتها عن آراء أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة. وعليه لا يجب أن نسقط في النظرة التصنيفية التي ترتب الدول حسب مرجعيتها الدستورية في غياب تام لأشكال العلمنة البنيوية والكامنة.
See this content immediately after install