Zamen | زامن
تصادم الثقوب السوداء يحكي قصة جديدة للنجوم
تصادم الثقوب السوداء يحكي قصة جديدة للنجوم بعد أشهر فقط من اكتشافهم بأن الموجات الجاذبية تأتي من اندماج الثقوب السوداء، أثار هذا الاكتشاف علماء الفيزياء الفلكية. تركز الحديث عن ذلك في الشهر الماضي في “سانتا باربرا” بولاية كاليفورنيا حيث اجتمع أفضل علماء الفيزياء الفلكية في العالم، “سلما دي مينك” وبدأت بالسؤال الحاسم: “كيف تشكلوا؟” “هم” كما كان يعلم الجميع: كانا الثقبان الأسودان الهائلان اللذان قبل مليار سنة مضت وفي زاوية بعيدة من الكون تحركا مغزليًا واندمجا مشكّلين موجات في نسيج الزمكان. موجات الجاذبية هذه تموجت في الكون، وفي يوم 14 سبتمبر عام 2015 تحركت متجاوزة الأرض مداعبة الكاشفات فائقة الحساسية لليزر مقياس التداخل الذي يراقب موجات الجاذبية (LIGO)، اكتشاف ليجو الذي أعلن عنه في فبراير صان بنجاح تنبؤ ألبرت أينشتاين بوجود موجات الجاذبية في عام 1916. عند طريق ضبط هذه الرعشات في الزمكان، والكشف لأول مرة عن نشاط الثقوب السوداء – وهي أجسام شديدة الكثافة لدرجة أن الضوء لا يستطيع النفاذ من جاذبيتها – ليجو وعد بفتح نافذة جديدة على الكون، مماثلة كما قال البعض للحظة التي صوب فيها جاليلو منظاره إلى السماء. لقد قامت البيانات الجديدة حول موجات الجاذبية بهز مجال الفيزياء الفلكية بالفعل. كرد فعل قام حوالي 36 خبير بقضاء أسبوعين في أغسطس يناقشون الآثار المحتملة في مؤسسة كافلي للفيزياء النظرية (KITT) في “سانتا باربرا”. “دي مينك” بادئة النقاش قامت وهي بروفسوره مساعد في الفيزياء الفلكية في جامعة أمستردام بشرح كيف أن الثقبين الأسودين – وربما أكثر من إثنين – اللذين اندمجا وقام “ليجو” بالكشف عنهما، في حدث فريد وعظيم، سمّي GW150914 مثّل الأحجية الأكبر. “ليجو” من المفترض به أن يكشف عن أزواج الثقوب السوداء التي تزن قرابة 10 أضعاف وزن الشمس، لكن هذين الثقبين كان الواحد منهما بقرابة 30 كتلة شمسية. “إنها هناك – ثقوب سوداء ضخمة، أكثر ضخامة مما توقعناها عليه، كيف تشكلت؟”. الأحجية كما شرحتها من جزأين: كيف أصبحت الثقوب السوداء بهذه الضخامة، آخذين بعين الاعتبار أن النجوم التي ينهار بعضها فتتشكل الثقوب السوداء عادة ما تبدد معظم كتلتها قبل أن تموت، وكيف اقترب الثقبين من بعضهما بما يكفي ليندمجا خلال عمر الكون؟ “هذين الشيئين يعتبران متنافيين” كما أضافت “دي مينك” إن زوجًا من النجوم التي ولدت بهذه الضخامة والقرب من بعضها ستقوم عادة بالاقتراب والاندماج قبل أن تنهار إلى ثقوب سوداء، ولن يتم رصد أي موجات جاذبية من خلالها. إن فهم القصة خلف GW150914 “يتحدى كل فهمنا” كما قال “ماتيو كانتيلو”، وهو عالم فيزياء كونية في KITT. على الخبراء أن يتتبعوا الخطوات من اللحظة التي اندمج فيها الثقبين وحتى موت، وحياة، وولادة زوج النجوم – وهي سلسلة تحتوي على الكثير من أسئلة الفيزياء الفلكية غير المحلولة، قال “إليوت كواتيير” وهو أستاذ للفيزياء الفلكية في جامعة كاليفورنيا ببركلي وأحد المنظمين لبرنامج KITP: “هذا سيقوم حقًا بإعادة إحياء الكثير من الأسئلة القديمة التي تخص فهمنا للنجوم”. فهم بيانات ليجو سيتطلب حساب متى ولماذا تتحول النجوم إلى سوبرنوفا، أي النجوم يتحول إلى أي نوع من البقايا النجمية، كيف تغير كتلة النجوم ودورانها وتركيبها من تطورها، كيف يعمل مجالها المغناطيسي، والمزيد، لقد بدأ العمل للتو، ولكن بيانات ليجو الابتدائية قامت بدفع فرضيتين حول تكون الثقوب السوداء المزدوجة إلى المقدمة. خلال الأسبوعين في “سانتا باربرا”، المنافسة اشتدت بين النموذج الجديد للكيمياء المتجانسة المختص في تكوين الثقوب السوداء المزدوجة والذي اقترحه “دي مينك” وزملاؤها بداية العام، والنموذج التقليدي المسمى بالظرف المشترك الذي يطرحه العديد من الخبراء الآخرين، كلا الفرضين (وبعض المنافسين) قد يكونا صحيحين في أماكن من الكون، ولكن على الأرجح أحدهما فقط ينطبق على الأغلبية الساحقة من الثقوب السوداء المندمجة. يقول “دانيل هولز” من جامعة شيكاغو، وهو أحد المؤيدين للظرف المشترك أنه: “في العلم هناك فقط عملية واحدة متسيدة لكل شيء”. قصة النجوم إن قصةGW150914 تبدأ بالتأكيد تقريبًا بنجوم ضخمة – وهما على الأقل 8 أضعاف ثقل الشمس وعلى الرغم من ندرتهما إلا أنهما يلعبان دورًا هامًا في المجرات. النجوم الضخمة هي التي تنفجر كسوبرنوفا، مطلقة المادة إلى الفراغ ليعاد تدويرها إلى نجوم جديدة، فقط لبها ينهار إلى ثقوب سوداء ونجوم نيوترونية، مما يقود إلى ظواهر غريبة ومؤثرة مثل اندفاعات أشعة جاما، النبضات، وأزواج الأشعة السينية. “دي مينك” وشركاؤها بينوا عام 2012م أن معظم النجوم الضخمة المعروفة تعيش في أنظمة ثنائية. النجوم الثنائية على حد تعبيرها “ترقص” و “تقبّل بعضها” وتمص الوقود الهيدروجيني من أحدها الآخر “مثل مصاصي الدماء”، اعتمادًا على الظروف. لكن ما هي الظروف التي تؤدي بهما إلى التقلص للدرجة التي يتراجعان فيها خلف أغطية من الظلام ومن بعدها يندمجان؟ قصة الظرف المشترك التقليدية طُوّرت خلال عقود بدايتها عمل العلماء السوفييتيين “ألكساندر توتوكوف” و”ليف يونجيلسون” عام 1970، وهي تروي قصة زوج من النجوم الضخمة التي وُلدت في مدار واسع. حين يبدأ نفاد الوقود في لُب النجم الأول، تبدأ طبقاته الخارجية بالانتفاخ، مشكّلة نجم أحمر ضخم، معظم غاز الهيدروجين هذا يمتصه النجم الثاني، كما يفعل مصاصي الدماء، في النهاية ينهار لب النجم الأول مشكلًا ثقبًا أسود. هذا التفاعل يقرب الزوجين من بعضهما، ولذا عندما ينتفخ النجم الثاني إلى نجم أحمر ضخم، يُحتضن كلاهما في ظرف مشترك. الشريكين يغرقان أقرب إلى بعضهما بينما يخوضان في غاز الهيدروجين. في النهاية، الظرف يذهب إلى الفراغ، ولب النجم الثاني كما الأول ينهار إلى ثقب أسود. الثقبين الآن قريبين بما يكفي ليندمجا يومًا ما. لأن النجوم تخسر الكثير من كتلتها، فإن هذا النموذج يتوقع منه أن ينتج أزواجًا من ثقوب سوداء خفيفة، تزن قرابة 10 كتل شمسية. إشارة ليجو الثانية الناتجة من اندماج ثقبين أسودين بثقل 8 و 14 كتلة شمسية تعتبر بمثابة مثال لهذا النموذج. ولكن بعض الخبراء يعتبرون الحدث GW150914 بمثابة تمرين. في ورقة نشرت في يونيو في مجلة “NATURE” هولز وشركاؤه قالوا: بإمكان الظرف المشترك نظريًا أن ينتج اندماج ثقوب سوداء تصل إلى 30 كتلة شمسية إذا كانت النجوم المنتجة لها تزن قرابة 90 كتلة شمسية ولا تحتوي تقريبًا على أية معادن (تخسر الكتل المتسارعة المعادن). أنظمة الأزواج الثقيلة المماثلة نادرة في الكون نسبيًا، مما يزيد من الشك حول ما إذا كان ليجو قد رصدها بهذه السرعة. في “سانتا باربرا” العلماء اتفقوا على أنه إذا كان ليجو سيرصد اندماجات ثقيلة نسبيًا أكثر من الاندماجات الخفيفة فإن هذا سيضعف من حجة الظرف المشترك. هذا الضعف الذي لحق بالنظرية التقليدية قد فتح المجال لأفكار جديدة، إحداها بدأت بالتكون عام 2014 عندما أدركت “دي مينك” و”إليا ماندل” وهي عالمة فيزياء فلكية في جامعة “برمينغهام” وعضو في اتحاد ليجو باستيعاب أن نوعًا من أنظمة النجوم الثنائية التي درستها “دي مينك” لسنوات قد تكون هي التذكرة المؤدية لتكون الثقوب السوداء الثنائية الضخمة. يبدأ نموذج الكيمياء المتجانس مع زوج من النجوم الضخمة التي تدور حول أحدها الآخر بسرعة كبيرة وبقرب شديد إلى درجة أنهما يصبحان في حالة قفل مدّي، مثل راقصي التانجو، في التانغو “تكونان قريبين بشدة، بحيث يواجه جسم أحدكما الآخر طوال الوقت، وهذا يعني أنكما تدوران مغزليًا حول أحدكما الآخر ولكن هذه الحركة تجبرك على الدوران مغزليًا حول محورك أيضًا” كما قالت “دي مينك” الراقصة نفسها. هذا الدوران يثير النجوم جاعلًا منهما ساخنين ومتجانسين. وهذه العملية قد تسمح للنجوم بإحداث الاندماج النووي في كامل دواخلها، بدلًا من اللب فحسب، حتى يستهلك النجمان كلا وقودهما؛ لأن النجوم لا تتمدد أبدًا فإنها لا تفقد كتلتها أو تتقارب داخليًا بدلًا من ذلك فإن كلًا منهما ينهار بالكامل تحت ثقله إلى ثقب أسود ضخم. الثقوب السوداء ترقص إلى عدة مليارات من السنين، مقتربين أكثر فأكثر لولبيًا حتى يصلا في جزء من الثانية في الزمكان إلى الاندماج. قدمت “دي مينك” و”ماندل” بحثهما الخاص بالنموذج المتجانس كيميائيًا، في ورقة نشرت على الإنترنت في يناير، وورقة أخرى قدمت نفس الفكرة نشرها باحثون من جامعة بون وقائدهم هو طالب الدراسات العليا “بابلو مارشانت”. عندما قام ليجو بإعلان رصدGW150914 في الشهر الذي يليه أصبحت فرضية التجانس الكيميائي مشهورة. قالت مينك: “عندما نشرناها كانت قصة مجنونة للغاية، وبشكل جميل للغاية، ثقوب سوداء ذات كتلة مناسبة”. على أية حال، بعيدًا عن الدليل المؤقت، وجود النجوم المثارة أمر نظري، وبعض الخبراء يشككون في فعالية النموذج. المحاكاة أظهرت أن هذا النموذج عاجز عن تفسير الثقوب السوداء الثنائية الأصغر مثل التي رصدها ليجو في إشارته الثانية. وأسوأ من ذلك ظهر بعض الشك حول جودة تعامل الفرضية مع GW150194 وهو الذي كان يعتبر نجاحها الأساسي. يقول هولز: “إنه نموذج أنيق للغاية. إنه محبب للنفس. المشكلة هي أنه لا يعمل بشكل جيد”. محور الحديث بالإضافة إلى كتل الثقوب السوداء المندمجة فإن إشارات موجات الجاذبية التي رصدها ليجو أيضًا تبين ما إذا كانت الثقوب السوداء تدور بحركة مغزلية. في البداية، أبدى الباحثون اهتمامًا أقل بقياس الدوران المغزلي، جزء من ذلك عائد إلى كون موجات الجاذبية تسجل فقط الدوران المغزلي إذا كانت الثقوب السوداء تدور مغزليًا حول نفس المحور الذي تدور حوله، ولا تقول شيئًا عن الدوران المغزلي في اتجاهات مغايرة. ولكن في ورقة نشرت شهر “مايو” قام باحثون في منظمة الدراسات المتقدمة في برينستون وجامعة هيبرو في القدس ناقشوا ما إذا كان نوع الدوران المغزلي الذي تقيسه ليجو هو بالضبط ما يتوقع من الثقوب السوداء امتلاكه ما إذا تشكلت من خلال النموذج الكيميائي المتجانس. (راقصو التانجو الذين يدورون مغزليًا وحول أحدهما الآخر في ذات الاتجاه). ومع ذلك، فإن الثقوب ذات الكتلة المقدرة ب30 كتلة شمسية فيGW150914 قيس دورانها المغزلي ووجد أنه صغير للغاية، هذا إن كان موجودًا على الإطلاق، وبشكل مفاجئ كان هذا حجة ضد راقصي التانجو. يسأل بروفسور فيزياء كونية من جامعة كاليفورنيا للتكنولوجيا المجموعة في سانتا باربرا ظهر أحد الأيام: “هل الدوران المغزلي يعد مشكلة للنموذج الكيميائي المتجانس؟” وبعد نقاش اتفق العلماء على أن الإجابة هي نعم. وبعد عدة أيام وجدت “مينك” و “مارشانت” و “كانتيلو” وسيلة ممكنة لإنقاذ الفرضية. “كانتيلو” الذي خطى مؤخرًا خطوات واسعة للأمام بدراسة المجال المغناطيسي للنجوم، استوعب أن النجوم الراقصة في النموذج الكيميائي المتجانس هي أساسًا كرات مشحونة تدور مغزليًا ويفترض أن لها مجالًا مغناطيسيًا قويًا، وهذه المجالات المغناطيسية من الأرجح أن تجعل طبقات النجم الخارجية تشكل أقطابًا قوية، بنفس الطريقة التي يتباطأ بها متزلج عندما يمد يديه للخارج، هذه الأقطاب ستعمل بمثابة مكابح، مخففة من الدوران المغزلي للنجوم. قام الثلاثة من ذلك الوقت بالعمل لمعرفة ما إذا كانت محاكاتهم ستوضح هذه الصورة، “كواتيرت” وصف هذه الفكرة بأنها: “ممكنة ولكنها ماكرة قليلًا”. في آخر يوم من البرنامج، مجهزين المسرح لخريف زاخر بالأحداث فيما يأتي “ليجو” بنتائج جديدة على الإنترنت بحساسية أعلى وإشارات موجات جاذبية أكثر، وقع العلماء “وثيقة فيني” وهي قائمة من الجمل الصلبة حول تنبؤات فرضياتهم العدية. تبدأ الوثيقة التي كتبها فيني بالجملة: “على الرغم من أن كل نماذج الثقوب السوداء الثنائية وُلدت متساوية (ما عدا تلك التي اقترحها منافسينا) نأمل أن تجعلهم البيانات التي ستنشر قريبًا غير متساوين بدرجة لا تقبل الشك”. بينما تبدأ البيانات بالتكدس، فرضية لتكون الثقوب السوداء الثنائية كانت مهملة وبدأت تحظى بالانتباه – كمثال، مفهوم أن الثنائيات تنشأ من تفاعلات ديناميكية داخل نجوم مكونة للمناطق وكثيفة تدعى بالحشود الكروية. “بيانات ليجو” الأولية اقترحت أن اندماج الثقوب السوداء أكثر اعتيادية من ما تنبأ به نموذج الحشود الكروية. ولكن ربما التجربة كانت محظوظة في المرة السابقة والعدد المتوقع للاندماجات سينخفض. إضافة إلى ذلك، فإن مجموعة من علماء الكون افترضوا مؤخرًا أن GW150914 قد تكون نشأت من اندماج ثقوب سوداء بدائية، والتي لم تكن أبدًا نجومًا ولكن تكونت بعد فترة قصيرة من الانفجار العظيم من انهيار أنسجة طاقية من الزمكان. مما يثير الاهتمام أن الباحثين احتجوا في ورقة نشرت مؤخرًا في Physical Review Letters أن الثقوب السوداء البدائية المماثلة ذات 30 كتلة شمسية قد تشكل بعض أو كل الكتلة المظلمة المفقودة التي تعم الكون. هناك طريقة للمحاججة ضد علماء الفيزياء الكونية وتدعى بالانفجارات الراديوية السريعة. من الأرجح أن الوقت باكر للقفز إلى احتمالات مماثلة، علماء الفيزياء الكونية يشيرون إلى أننا نحتاج إلى حظ مشكوك بأمره حتى نتمكن من رصد اندماج ثقوب سوداء بدائية موجودة منذ نشأة الكون في الوقت المناسب، وذلك بعد 13.8 مليار عام. هذا نوع آخر من المنطق الذي على العلماء مواجهته في فجر علم الفضاء ذي موجات الجاذبية. تقول دي مينك: “إننا في مرحلة ممتعة للغاية. إنها المرة الأولى التي نفكر بها بصور مماثلة”.
See this content immediately after install