Zamen | زامن
نسبة السموم في الهواء اللبناني تزيد خطر الإصابة بالسرطان
أخيرًا نشرت النتائج. بتاريخ 28 كانون الثاني/يناير، قامت وحدة بحوث جودة الهواء، وهي فريق عمل يضمّ جامعات لبنانية عدّة بالإضافة إلى المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، بنشر النتائج النهائية لدراستها للإنبعاثات السامة الناتجة من حرق النفايات في الهواء الطلق. باشر فريق العمل في هذه الدراسة بعيد تزايد حوادث حرق النفايات في الشوارع بشكلٍ غير مضبوط وفي مناطق متفرقة من مدينة بيروت، التي تلت الفشل الذريع في إدارة النفايات في البلاد. تجدر الإشارة إلى أننا نشرنا النتائج الأوّلية على هذا الرابط قامت هذه الوحدة بدراسة كثافة الجزيئات الصلبة في الهواء، التي يصل حجمها إلى 10 ميكرومترات وما دون والتي يصل حجمها إلى 2.5 ميكرومتر وما دون، واستنتجت أن نسبتها تتجاوز النسبة المسموح بها خلال يوم واحد وفق المبادئ التوجيهية لمنظمة الصحّة العالمية بأربعة أضعاف تقريبًا (276 في المئة) وثلاثة أضعاف (171 في المئة) على التوالي. في هذا الصدد، تشرح نجاة صليبا، استاذة العلوم الكيميائية لدى الجامعة الأميركية في بيروت، التي تقود هذا الفريق البحثي قائلةً: تخيّل هذه الجزيئيات على أنها بالونات مملوءة بالمواد الكميائية. وتتكدّس هذه البالونات فتشكّل جزيئات كبيرة الحجم.” لماذا التركيز على قياس 10 و2.5 ميكرومتر؟ تتجمّع هذه المواد الكيميائية وتشكّل جزيئات بأحجام متفاوتة. الجزيئات التي يزيد حجمها عم 10 ميكرومترات لا تبقى في الهواء لفترات طويلة وتتكدّس على الأرض بسرعة. وهذا يعني أن خطر تنشقها ينخفض بشكلٍ ملحوظ بعد انتهاء عملية الحرق وركود الغبار. أما الجزيئات التي لا يمكننا رؤيتها فهي تلك التي لا يتخطى حجمها الـ10 ميكرومترات والتي تبقى في الهواء. تجدر الإشارة إلى أن احتمال دخول هذه الجزيئات إلى الجهاز التنفسي العلوي كبير جدًا، أي جوف الأنف والبلعوم والحنجرة. أمّا الجزيئات التي لا يتخطى حجمها الـ2.5 ميكرومترًا تتغلغل عميقًا في الجزء السفلي من الجهاز التنفسي فتصل إلى الرئتين وتحديدًا إلى الأسناخ الرئوية وتتسرّب بالتالي إلى مجرى الدم. ما هو محتوى هذه “البالونات”؟ إضافة إلى مواد أخرى، تحتوي هذه “البالونات” على الهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات (PAH) وسموم الديوكسين والفوران المركّبة (PCCD/Fs). تشمل عائلتا المواد الكيميائية هذه مئات المكونات المختلفة؛ إلا أن الدراسة لم تركز جهدها وتركزيها إلّا على المركبات التي تحتوي على أقوى السموم من كل عائلة استنادًا إلى تصنيفات وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA). ومن ضمن الهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات، قامت الدراسة بقياس 16 نوع من المكونات السامة، في كل من الانبعاثات والجزيئات، ووجدت أن كثافتها تجاوزت ضعف المعدّل الطبيعي. أما المادة المسرطنة الأقوى بينها، التي تعرف بمادة البينزو[ألفا]بيرين، ففاقت كثافتها 2.3 مرات نسبتها في الهواء قبل إحراق النفايات. وبالفعل، وجد الباحثون أن نسبة السموم من عائلة سموم الديوكسين والفوران المركّبة في الجوّ تفوق بنسبة 28 في المئة عن النسبة الملحوظة في العينات المفحوصة سابقًا. ومن بين 17 سمًا من عائلة سموم الديوكسين والفوران المركبة، وصل أخطرها – المعروف باسم 2، 3، 7، 8، تيتراكلوروديبينزوديوكسين – إلى كثافة عالية بشكلٍ ملحوظ. وهذا السمّ بالتحديد لم يرصد بتاتًا في السابق. في اليوم الذي يتم فيه إحراق النفايات، ترفع كثافة هاتين العائلتين من المواد الكيميائية من نسب المواد المسرطنة في الهواء بما يقارب الـ24 ضعفًا. وبالتالي، يرتفع خطر الإصابة بالسرطان المقدّر على المدى القصير بسبب التعرض لتلك المواد من شخص واحد إلى 19 شخصًا لكل مليون شخص. إضافة إلى ذلك، عاينت الدراسة كثافة المعادن في الجوّ، بما في ذلك نسبة الرصاص والكادميوم والتيتانيوم والزرنيخ. ولحظت أنها تضاعفت مرتين وستة عشر مرة تقريبًا مقارنةً بالنسب المسجّلة سابقًا. لا بد من الإشارة، أنه على عكس الهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات وسموم الديوكسين والفوران المركّبة، لا تتسبب هذه المواد بالإصابة بداء السرطان ولكنها سامة مع ذلك وتتسبب في أمراض عدّة كالتقرحات الجلدية والربو وغيرها. إنتشارها ومدّة تأثيرها من الصعب التأكّد من مدى استمرار آثار عمليات الحرق. فهذا يعتمد على الظروف المناخية. في هذا السياق، تقول صليبا: “لو تمت عمليات الحرق خلال الصيف لكانت أكثر خطورة”. فانحسار الرياح وقلّة تساقط الأمطار عاملان كانا سيؤديان إلى ركوج هذه الجزيئات في الجوّ لفترة أطول. من الصعب جدًا معرفة مسار تنقّل هذه الجزيئات؛ فهذا يعتمد أيضًا على وجهة وسرعة الرياح. والطريقة الوحيدة لإعداد تقييم سليم لانتشارها بحسب صليبا لا يتم إلّا إذا أخذنا عينات إضافية من مناطق متعددة. ما هي الخطوات التالية؟ قالت إن المؤتمر الصحفي أثّر بشكلٍ إيجابيّ للغاية. فبعده، قامت وزارة الصحة بإصدار بيان ناشدت الناس والبلديات فيه وقف عمليات الحرق وهذا ما أثّر على الوضع “إلى حدٍ ما”. على الرغم من ذلك، ما زال الاتجاه التي ستؤول الحالة العامة إليه غير واضح المعالم. فمؤخرًا،تعثّرت خطة تصدير النفايات مرّة أخرى بعد ذكرت إدعاءات في نشرات الأخبار أن الفساد يلفّ صفقات الترحيل هذه. يبدو أن الطمر لم خيارًا ممكنًا؛ وحرق النفايات مرفوض حتى لو تم بالطرق السليمة. فما هو الحلّ الأمثل للتعامل مع مشكلة النفايات إذًا؟ بحسب الأستاذة صليبا الحلّ هو: إعادة تدوير النفايات وفرزها فلا يبقى أي منها، فقد سبق أن نفّذ هذا الحلّ.”
See this content immediately after install