Zamen | زامن
هل نولد ملميّن بالتكنولوجيا أم نتعلّمها؟ [رأي]
شهد "المؤتمر الدولي للإنترنت" لعام 2016 World Wide Web 2016 Conference الذي عُقد في آذار/مارس الماضي في مونتريال نقاشًا محتدمًا انتهى بصياح أحد الباحثين بزميله الأمريكي قائلًا: "لا تنشئ مجتمعًا رقميًا بإعطائك جهاز 'آي باد' iPad لكل طفل في الخامسة من عمره". وإثر هذه الجملة الصريحة، دوت القاعة بعاصفة من التصفيق لشعور غالبية الزملاء بارتياح كبير لسماعها. كان الباحث يعبر عن استيائه الشديد من افتراض يكرره بعض المتخصصين في علم التربية الحديث، مفاده إذا وفرت للأطفال جهازًا متصلًا بشبكة الإنترنت سيفهمون على الفور كيف يستخدمونه، وكيف ينشئون ويطورون المحتوى، كما ستساهم آليات العالم الرقمي في تمكينهم. نحن أشبه بالمهاجرين الرقميين، أما الأطفال فهم المواطنون الرقميون. محو الأمية الرقمية ليس مسألة تلقائية حتى خارج إطار التعليم الرسمي، سيود اعتقاد بأن الأطفال الذين ولدوا خلال العصر الرقمي يعرفون كيف يستخدمون الأجهزة الذكية عندما يبلغون عامهم الأول، ويمكنهم استخدام هاتف "آي فون" iphone بكفاءة تامة في سن الخامسة، وسيكوِّنون أصدقاء على الإنترنت يفوقون عدد أصدقاء والدهم في سن العاشرة. هذا الاعتقاد صحيح، غير أنّه لا يكفي لافتراض أنّ المواطنين الرقميين قادرون على الإبحار في عالم الانترنت لوحدهم، أو على الأقلّ من دون تعرضهم لمخاطر جمة تتعلق بهويتهم، ومستقبلهم وبيئتهم المباشرة. فعلى سبيل المثال، عدم قدرتهم على فهم بعض الآليات الاجتماعية التقنية الأساسية على شبكة الإنترنت، مثل دوام آثار البيانات أو الهويات الرقمية أو الفرق بين المساحات الخاصة والعامة على شبكة الإنترنت، يمكنه أن يؤدي إلى ضغوط نفسية أو تشويه دائم للسمعة أو حتى سلوك إجرامي. ففي عام 2010، توصلت دراسة استقصائية أجراها باحثون في "كلية لندن للاقتصاد" LSE إلى أنّ "الأطفال لا يتعلمون بشكل تلقائي كيفية استخدام الأجهزة الرقمية، ولا يكتسبون مبادئ العالم الرقمي بشكل فطري"، وهذا يناقض الافتراض غير العلمي عن المواطنين الرقميين الذي يسلم به كثيرون. الحقيقة الغائبة لا توصف شبكة الإنترنت أبدًا كواقع تقني، أي كشيءٍ نحتاج لفهمه. ومسألة محو الأمية الرقمية والتوعية بشبكة الإنترنت هي بمثابة الحقيقة الغائبة. الشروط والأحكام مثلاً هي نصوص مملة نتخطاها بأسرع ما يمكن، بسبب حرصنا على سرعة الاتصال والمشاركة والكشف عن بياناتنا. لكنّ محو الأمية الرقمية سيعيق هذه العملية "التلقائية" من خلال إجبار المستخدمين على طرح الأسئلة، والتدقيق في التفاصيل، وتجنب الفخاخ التجارية. وإلى جانب غياب محاولات محو الأمية الرقمية لدى الراشدين، يمكن فهم الأسباب الرئيسية وراء رد الفعل الغاضب في المؤتمر كون لمجتمعات الحديثة ترتكب جريمة شنعاء برفضها الاعتراف بأنها تترك الأطفال لوحدهم على شبكة الإنترنت من دون رعاية. فالصغار الذين يُتركون مع أجهزتهم المتصلة بشبكة الإنترنت، يمكن أن يقعوا ضحايا في عالم الواقع للسمات الفاتنة التي تتسم بها شبكة الإنترنت. لا توجد على هذه الشبكة حدود، ولا عوائق، ولا مراقبة مباشرة (ليس من الوالدين على الأقل)، ولا أي احتكاك مادي، ولا فلاتر للمحتويات. كانت الحياة أسهل بكثير عندما كان الخطر المباشر يقتصر على مجرد مساحةٍ محيطةٍ بالمنزل. أمّا الآن، فيستطيع الأطفال الصغار الدردشة مع أشخاص في الصين، وشراء ألعاب "سوبرسل" SuperCell من خلال حساب "باي بال" الخاص بأمهاتهم، وتصفح كمٍّ هائل من المحتوى غير المرغوب فيه: من مقاطع فيديو تنظمها "داعش" ISIS لتجنيد العناصر حتى المواقع العنصرية المرتبطة بجماعة "كو كلوكس كلان" KKK . هذا ما يقوله الأطفال للتحقق من صحة التقييم، قمنا بزيارة خمس مدارس في بيروت، وسألنا الأطفال (بين 10 و15 سنة) عن تجربتهم مع شبكة الإنترنت. ما يثير الدهشة هو أن معظم الأطفال الذين التقيت بهم لا يملكون سوى معرفة قليلة جدًا عن كيفية عمل الإنترنت. فهم لا يعرفون سوى كيفية القيام بعمليات البحث الأساسية على "جوجل" ومشاهدة مقطع فيديو على يوتيوب ومشاركة المحتوى على "واتس آب"، و"فايسبوك"، و"إنستجرام"، و"سناب شات". ولكن 5% فقط من الـ200 طفل الذين التقيت بهم ساهموا في مرحلة ما في إنشاء محتوى نشط على شبكة الإنترنت (أي أدنى من قاعدة 1 : 10 ‘1 for 10' rule المعنية بالمشاركة النشطة على شبكة الإنترنت). كان من الواضح أن فهمهم شبه منعدم لآليات تبادل المعلومات والشبكات العالمية، والحوسبة السحابية، وخصوصية البيانات الشخصية. لم تكن لديهم أية فكرة عن الجهة الذي تذهب إليها البيانات أو مكان تخزينها عندما يقومون بنشر محتوى أو تحميله على شبكات التواصل الاجتماعية، كما أنّهم لا يعرفون شيئًا تقريبًا عن الرقابة العالمية ("شاهدت فيلمًا عن ذلك!") أو الضروريات التجارية للشركات الرقمية الكُبرى التي يصعب فهمها. يمكن للمرء أن يتساءل: لماذا يحتاج الأطفال إلى فهم ذلك؟ فهم مجرد مستخدمين والمسألة برمتها بمثابة ترفيه بالنسبة لهم. ولكن كيف يتسنى لنا تنشئة جيل رقمي إذا رضينا بفهمٍ سطحي للظواهر التي من شأنها أن تنظم معظم حياتهم في المستقبل؟ العالم الرقمي معقد يتعلق عصر المعلومات بكلّ شيء يختص بالآليات، والخوارزميات، والنظم المعقدة، والارتباطات والتفاعلات بين البشر والآلات. ولتجنب تنشئة جيل يعبد التكنولوجيا ولا يفكّر، يجب على المؤسسات التعليمية إعداد برامج لمحو الأمية الرقمية يجب أن تقدم معلومات تتجاوز مجرد استخدامات برامج "وورد" Word و"إكسل" Excel. أثناء جولتي في المدارس اللبنانية بحثًا عن إجابات، لاحظتُ اللغط القائم بين برامج التوعية عن "الحياة الرقمية" والحاجة الحقيقية لمحو الأمية الرقمية، حتى بين المعلمين وأولياء الأمور. فبرامج التوعية مصممة من أجل “الحماية" لا "التمكين". وهي بغالبيتها مثل برامج السلامة على الطرق: تعلمك كيفية ربط حزام الأمان، ولكنها لا تعلمك طريقة أفضل لقيادة سيارتك. لقد حان الوقت لتمكين الجيل الجديد رقميًا والذهاب إلى أبعد من مجرد تكرار الأفكار البسيطة. يبدأ محو الأمية الرقمية بفهم التكنولوجيا (الشبكات، والخوادم، والتطبيقات) وتوسيع الأفق بالنظر إلى الفضاء الرقمي وحتى الحوكمة والمواطنة على شبكة الإنترنت. وسوف يكون المستخدم المطلع قادرًا على الاختيار بين التقنيات والمنصات، وبين قوالب وأنواع المحتوى. وستتاح له سيطرة أفضل على الخيارات أو المعاملات، وستكون تجربته على الشبكة أكثر أمانًا وكفاءةً. كما أنّ المستخدم المتمكن سيكون قادرًا على فهم المنطق الصعب للآليات الاجتماعية على شبكة الإنترنت، مثل المساهمات الاجتماعية أو التعاون الاجتماعي. من هنا، فإنّ الظواهر الرقمية الجديدة، مثل البيانات الضخمة أو سجلات التعاملات الرقمية blockchain، ستكون المستوى التالي الطبيعي للفهم، بدلًا من كونها أفكارًا عسيرة الفهم. بناء شبكة الإنترنت المستقبلية يجب أن نفهم أن استخدام التكنولوجيا لا يكفي وحده، إذا كنا نريد مساعدة الجيل الجديد على إنشاء اقتصاد المعرفة الذي كثر الحديث عنه وامتداحه، ونريد أن نعتمد لهذه الغاية على التكنولوجيات الرقمية والاستخدام الفاعل للإنترنت. كذلك، ينبغي على المراهقين والصغار من مستخدمي الإنترنت تغيير موقفهم غير المبالي تجاه التكنولوجيا التقنيات وتعلم كيفية بناء شبكة الإنترنت. ويتعين على المؤسسات التعليمية الاستثمار في البرامج المتطورة لمحو الأمية الرقمية على الفور، من أجل تنشئة جيل من المنتجين الذين يسلكون وفقًا لما تمليه عليهم ضمائرهم وليس قطيعًا من مستهلكي التكنولوجيا الجهلة. [الصورة الرئيسيّة من "ويكيميديا كومنز"]
See this content immediately after install