Zamen | زامن
هل يجب أن تكون الإنجليزية اللغة السائدة للعلوم؟
يدور نقاش بين الحين والآخر عن تعريب العلوم، وعن أهمية هذا الأمر في قيام نهضة علمية في البلاد العربية، وهو الأمر الذي يعارضه البعض بحجة أن الإنتاج العلمي العربي قليل وأن ذلك سيؤدي إلى التأخر عن اللحاق بركب المنتجات العلمية الغربية التي تنتج في معظمها باللغة الإنجليزية، حيث إن الوقت المأخوذ في عمليات الترجمة والتعريب سيؤدي إلى تأخر وصول العلوم إلى قاعات الدراسة. وبين مؤيد ومعارض، قد نتساءل هل التخلي عن اللغة الإنجليزية كلغة سائدة في الأوساط العلمية العالمية قد يزيد من فرصة غير الناطقين بها في المساهمة في النتاج العلمي؟ وهل الأمر يستحق هذا العناء بالفعل؟ وفي هذا الصدد، يبحث مقال منشور في مدونة ساينتيفيك أمريكان العلمية عن هيمنة اللغة الإنجليزية على المجلات التي تنشر فيها الأبحاث العلمية، ومدى تأثير الحواجز اللغوية على نشر الأبحاث العلمية على مستوى العالم، وكيفية تأثير ذلك على عملية مراجعة الأقران. ويقارن المقال بين الكتابة بلغات أجنبية في العلم والأدب، حيث يضرب مثالاً بفلاديمير نابوكوف الذي كتب رواية «لوليتا» باللغة الإنجليزية، بعد عام تقريبًا من العرض الأول للمسرحية العبثية «في انتظار غودو» التي كتبها الكاتب الأيرلندي صامويل بيكيت باللغة الفرنسية. حيث اختار هذان الكاتبان أن يكتبا عن موضوعيهما بلغتين أجنبيتين، ثم ترجما عمليهما بنفسيهما إلى لغتيهما الأصليتين. ويشير المقال إلى أنه بالرغم من أنه من النادر أن يتحول الأدباء عن لغاتهم الأصلية ذهابًا وعودة، إلا أن العلماء اليوم يقومون بذلك بصورة متكررة. ويضيف المقال إنه في عالم العلوم، حيث تعد المجلات الصادرة باللغة الإنجليزية (خاصة الحوليات الصادرة بالإنجليزية الأمريكية) الأعلى مكانة، يقوم العلماء الناطقون بلغات أخرى بكتابة مخطوطاتهم الأصلية باللغة الإنجليزية، ثم يترجمون أعمالهم إلى لغاتهم الأصلية للنشر في مجلات محلية أصغر أو للمشاركة في المؤتمرات العلمية. ولا يكون الانتقال بين اللغات ناتجًا عن اختيار دقيق لإنتاج تأثير إبداعي معين كما هو الحال في أعمال نوبوكوف وبيكيت. وإنما يكون أمرًا ضروريًا للحصول على اعتراف علمي من الزملاء والأوساط العلمية ككل. ويتساءل المقال: كيف تؤثر اللغة الإنجليزية على المجتمع العلمي الدولي؟ ويجيب: إنها تقصر المشاركة العلمية على هؤلاء الذين يملكون المهارات المطلوبة. ويردف: نحن قلقون من تأثير الطبقة الاجتماعية/ الاقتصادية في الولايات المتحدة على تحديد الفرصة للمشاركة العلمية. ولكن، إذا أضفنا عائق التحدث والكتابة عن العلوم بلغة أجنبية، فليس هناك شك في أننا نمنع مشاركة الطبقات الاجتماعية الأفضل ليس إلا. ويوضح المقال أنه إذا نظرنا إلى الجماعات السكانية الأوفر حظًا والتي كان لها فرصة الحصول على دروس اللغة الإنجليزية منذ الصغر، فإن على المتميزين منهم الإقرار بالأمر الواضح: أن التحدث والكتابة بلغة أجنبية (بشكل جيد) هو أمر صعب! ويدعوك المقال إلى أن تجرب الأمر بنفسك. حيث يدعو القراء الذين ينعمون بنعمة التحدث بلغتين إلى محاولة الكتابة عن أحد المفاهيم العلمية باللغة الأخرى التي يجيدونها، ثم محاولة الكتابة عنها باللغة الأم. ويردف المقال: ستجد أن الكتابة بلغتك الأم تجري على لسانك بسرعة تجعلك تشعر بالخجل من محاولتك الكتابة باللغة الثانية التي تجيدها. تعد الكتابة والتحدث عن العلوم بلغة أجنبية حاجزًا يضاف إلى الحاجز الذي أسقطه اكتشافك العلمي الذي تقوم بالكتابة عنه في بحثك. ويشير المقال إلى أنه يجب على العالم الذي ليست اللغة الإنجليزية لغته الأم أن يقحم كلماته الأصلية إلى معجم بديل غير مرن، وهذه الطريقة تغير الطريقة التي يتم بها تسجيل العلوم تغييرًا جوهريًا. إننا نعبر عن العلوم ليس من خلال الكلمات فقط المربوطة ببعضها البعض بصواميل ومسامير العطف والاقتران، وإنما من خلال النقاط التي نؤكد عليها، وشكل القصة التي نرويها، والطريقة التي من خلالها نشعر بالتواصل وندركه. ويضيف المقال: لقد اختار صامويل بيكيت أن يكتب بالفرنسية عن سابق قصد، وعندما سئل عن السبب أجاب «لأنه من الأسهل أن تكتب بها دون أسلوب». ويشرح المقال أن اللغة تنقل المعلومات بأسلوب خاص بها، فهي تحمل في طيات أسمائها وصفاتها وأفعالها ثراءً أكبر من المعنى المجرد. فهي تمنح الكلمات منطقًا خاصًا بها. وعلى الرغم من أن العلوم تحاول الابتعاد عن كل ما لا يمكن قياسه، فإن الطريقة التي نفهم بها العلوم تنبع من البيئة الثقافية التي تنتج فيها العلوم. هذه التفاصيل الثقافية الدقيقة تظهر نفسها في التواصل الشفهي والمكتوب للأعمال العلمية، والتحيز للطريقة التي نقيم بها الاستحقاق الفكري. ويضيف المقال: إن وجود لغة مشتركة له فوائد واضحة. حيث يساعد ذلك على استمرار التواصل داخل المجال، وعلى السطح يقدم المزيد من الشمولية بدلاً من الحصرية. ويتساءل: كيف توازن فوائد اللغة الأصلية تكاليف ترجمة العالم للغة التي لا يتحدث بها؟ الواقع هو أن فوائد النظام وحيد اللغة واضحة جدًا بينما تكلفته تعد مبهمة. ويوضح المقال الهدف النهائي من بحث دور اللغة في العلوم، أنه الإشارة إلى عدم التساوي في المعايير التي تحدد مسبقًا فرص نجاح العالم. ويضيف: أن دور اللغة الإنجليزية كمصدر للظلم المحتمل هو مجرد جزء واحد من النقاش الذي نحتاج إلى إجرائه حول مجتمع علمي عالمي يقوم على تكافؤ الفرص. إن اللغة التي نستخدمها حين نتحدث عن العلوم تتساوى في الأهمية مع أي جزء آخر من أجزاء الطريقة العلمية المتبعة والتي ينبغي أن تكون متوزانة وعادلة. وبما أن تكامل العملية العلمية يعتمد على دقة مراجعة الأقران، فينبغي أن يؤخذ أي تحيز لفظي محتمل في الحسبان. إن إبقاء عين نقدية ثابتة على منهجيتنا العلمية يساعدنا على العمل للوصول للتميز والموضوعية. ويختتم المقال بقوله: إن الحاجز اللغوي الذي فرضه نابوكوف وبيكيت على نفسيهما أنتج أعمالاً تتميز بالبراعة، ولا يزال يشهد لها بالبراعة بعد عشرات السنين من نشرها. لقد حان الوقت لأن نُرجع للعلماء الذين يقومون بنفس العمل كل يوم نفس القدر من الفضل.
See this content immediately after install